الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن (3/3)

د. محمود عباس

هنا لا تعود المسألة مجرد سعر 340 دولارًا للطن، ولا مقارنة حسابية فقط مع أرقام أعلى جرى تداولها في مواسم أو مناطق سابقة، بل تصبح سؤالًا اقتصاديًا عميقًا، هل تريد الحكومة السورية الانتقالية إعادة بناء الزراعة، أم تريد استخدام الفلاح كخزان رخيص للخبز؟ فإذا كانت كلفة البذار، والحراثة، والوقود، والسماد، والعمالة، والنقل، والري ترتفع، بينما يبقى سعر الشراء الرسمي متدنيًا، فإن النتيجة ليست دعمًا للأمن الغذائي، بل دفع تدريجي للفلاح إلى ترك الأرض، وتقليص المساحات المزروعة، والاعتماد أكثر على الاستيراد.

وهذا ما يجعل القرار خطيرًا على بناء الوطن نفسه. فالدولة التي تكسر الفلاح تكسر الريف، والدولة التي تكسر الريف تكسر أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي. الزراعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فقط؛ إنها شبكة حياة كاملة، قرى، عائلات، مواسم، عمل، أسواق محلية، نقل، تخزين، مطاحن، أفران، وأمن غذائي. حين يُضرب القمح، لا يتضرر الفلاح وحده، بل تتضرر الدولة من جذورها.

كان يمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تجعل من موسم القمح نقطة انطلاق لثقة جديدة مع الفلاحين، سعر عادل، دعم للوقود، تمويل للبذار، إصلاح قنوات الري، ضمان شراء سريع، دفع مستحقات بلا تأخير، وتعويضات للجفاف. لكنها حين تختار سعرًا لا يشعر الفلاح أنه يحمي كلفة إنتاجه، فإنها ترسل رسالة معاكسة، الدولة تريد القمح، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن كرامة من زرعه.

هنا يظهر البعد السياسي للتسعيرة. ففي المراحل الانتقالية، حين تكون السلطة هشّة وتبحث عن الشرعية، تميل إلى استرضاء الشارع والريف وامتصاص غضبه. أما حين تشعر أنها ثبتت أقدامها، فقد تنتقل من سياسة الاستمالة إلى سياسة الإفقار، ومن شراء الرضا إلى صناعة الخضوع. الجوع ليس دائمًا نتيجة فشل إداري فقط؛ أحيانًا يصبح أداة حكم. فالإنسان الذي يُرهَق بلقمة يومه لا يملك الوقت ولا الطاقة الكافية ليسأل عن الدستور، والحقوق، والحريات، ومن يحكمه وكيف يحكمه.

وهذا لا يعني أن كل قرار اقتصادي مؤامرة، ولا أن الدولة لا تواجه أزمة مالية حقيقية. سوريا بالفعل تواجه نقصًا في الموارد، وارتفاعًا في الحاجة إلى الاستيراد، وتراجعًا في المساعدات. ففي أيار/مايو 2026 أعلنت منظمة الغذاء العالمي أنها خفّضت مساعداتها الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفًا بسبب نقص التمويل، وأوقفت برنامج دعم الخبز الذي كان يدعم أكثر من 300 مخبز ويؤثر فيما يصل إلى 4 ملايين شخص يوميًا، مع بقاء 7.2 مليون سوري في حالة انعدام أمن غذائي حاد.

لكن الاعتراف بصعوبة الوضع لا يبرر تحميل الفلاح وحده ثمن الانهيار. فإذا كانت الدولة عاجزة عن دعم القمح، فعليها أن تعلن برنامجًا واضحًا، دعم مدخلات الإنتاج، قروض ميسرة، تعويضات جفاف، دفع سريع للمستحقات، وتحسين الري والطاقة. أما أن تُترك كلفة الإنتاج على كتف الفلاح، ثم يُطلب منه تسليم القمح بسعر لا يحميه، فهذا ليس إصلاحًا اقتصاديًا، بل نقل للأزمة من خزينة الدولة إلى جيب الفلاح.

إن أخطر ما في تسعيرة القمح أنها قد تضرب الموسم القادم أيضًا. الفلاح لا يزرع بعاطفة وطنية وحدها؛ يزرع إذا رأى أن الموسم سيغطي كلفته ويحفظ بيته من الدين. فإذا شعر أن الدولة ستشتري محصوله بثمن بخس، فسيقلل زراعته، أو يهرب إلى السوق، أو يترك الأرض، أو يزرع محصولًا أقل مخاطرة. وهكذا تتحول تسعيرة سنة واحدة إلى قرار يراكم العجز في السنوات التالية.

لذلك، فإن المشكلة ليست في الرقم فقط، بل في الفلسفة التي تقف خلفه. الدولة التي تريد إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من المنتج لا من الجباية، من الفلاح لا من المستورد، من الحقل لا من المكتب. أما الدولة التي تشتري قمح الفلاح بثمن يتركه فقيرًا، فهي لا تسرق محصوله فقط؛ إنها تسرق وقته، وكرامته، وقدرته على أن يبقى شريكًا في الوطن.

لقد دمّر النظام السابق الاقتصاد السوري عبر ثلاث مراحل: سيطرة باسم التنمية، ثم نهب باسم الدولة، ثم مافيا حرب باسم الصمود. واليوم، بعد سنة ونصف تقريبًا من زواله، لا يحق للحكومة الانتقالية أن تعيد إنتاج الخراب باسم الضرورة، أو المرحلة، أو ضعف الإمكانات، أو أي خطاب ديني أو سياسي يجعل المواطن تابعًا لا شريكًا. فالفارق بين التخريب القديم والتخريب الجديد ليس في النتيجة فقط، بل في الأداة: سابقًا دُمّر الاقتصاد عبر النهب والفساد والاستبداد؛ واليوم قد يُدمّر عبر الجهل الاقتصادي، وضيق الرؤية، والإيديولوجيا التي ترى المجتمع مادة طاعة لا قوة إنتاج.

القمح السوري اليوم ليس اختبارًا زراعيًا فقط، بل اختبار سياسي واقتصادي للحكومة الانتقالية. فإذا كانت تريد بناء دولة، فعليها أن تحمي من يزرع خبزها. أما إذا كانت تريد سلطة فوق مجتمع جائع، فستعامل الفلاح كيد عاملة لا كإنسان، وكمنتج قمح لا كشريك في الوطن.

الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن. والدولة التي تسرق تعب من يزرع خبزها، لا تبني شرعية؛ إنها تبني جوعًا مؤجلًا وانفجارًا قادمًا.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

18/5/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين يمكن للولايات المتحدة وإيران أن توقّعا مذكرة تفاهم، وأن تعلنا وقفًا للحرب، وأن تتفقا على فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري تدريجيًا والعودة إلى التفاوض حول البرنامج النووي والعقوبات. لكنهما لا تستطيعان وحدهما ضمان أن يصمد ما تتفقان عليه. فالطرف الغائب عن طاولة التفاوض حاضر في قلبها. إسرائيل لا تفاوض إيران مباشرة، لكنها طرف رئيسي في الحرب وفي…

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…