يوم اللغة الكردية: تنوع لغوي أم صراع هويات؟

د . مرشد اليوسف

في الخامس عشر من أيار من كل عام، يحتفل الكرد حول العالم بيوم لغتهم .
و لكن هذا الاحتفال في السياق السوري المتعدد الأطياف لا يمكن فصله عن الأسئلة الكبرى التي تتعلق بالمواطنة والاعتراف والتعددية.
والسؤال :
هل اللغة الكردية قضية خاصة بالكرد فقط، أم أنها جزء من النسيج السوري المتنوع الذي يحتاج إلى الحماية والتقدير؟ وهل التنوع اللغوي نعمة كونية، كما تفيد آيات الذكر الحكيم، أم أنه عبء سياسي تتعثر أمامه الدولة الحديثة؟
وبإعتقادي أن الآية من سورة الروم والاية من سو،ة الحجرات — تضعان إطاراً تأسيسياً لفهم الاختلاف البشري. فحين يقول الله تعالى :
“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ”، فإنه يرفع التنوع اللغوي واللوني إلى مصاف الظواهر الكونية العظيمة، مثل خلق السماوات والأرض. أي أن تعدد اللغات ليس خطأ أو شذوذاً، بل هو جزء من نظام الخلق.
أما الآية الثانية: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”، فتحوّل الاختلاف من مجرد ظاهرة كونية إلى غاية أخلاقية واجتماعية.
وهي التعارف، وليس التناحر . وهنا يكمن الفارق الجوهري .
فالإسلام لا يطلب من الشعوب أن تذوب في ثقافة واحدة، بل أن تعترف ببعضها وتتعاون، ضمن إطار إنساني مشترك .
واللغة الكردية ليست وافدة على سوريا.
فهي موجودة في المنطقة منذ آلاف السنين .
و لكن تاريخ الدولة السورية الحديثة، وخاصة منذ منتصف القرن العشرين ، شهد سياسات مركزية رأت في التنوع اللغوي تهديداً للوحدة القو مية . فَحُرمت اللغة الكردية من التعليم الرسمي، والإعلام، والتوثيق القانوني، لسنوات طويلة.
وجرى تحويل “اختلاف الألسنة” الذي وصفه القرآن بآية من آيات الله، إلى “مشكلة أمنية” في المخيال الرسمي العروبي . وهذا أدى إلى تراكم الإحساس بالظلم الديني والعرقي والسياسي والثقافي لدى الكرد .
واذا دخلنا الى عمق المسألة فإن سوريا بلد متعدد القو ميات والثقافات منذ خلق آدام .
ولن تكون بلداً بلغة واحدة.
فهي تضم إلى جانب العربية – الكردية والسريانية والتركمانية، والأرمنية، والشركسية…الخ .. وهذا المشهد اللغوي كان لعقود، أشبه بكنز مدفون – لكن لا يظهر على السطح في المؤسسات الرسمية.
واليوم، بعد سنوات الحرب والتفكك، برزت مطالبات متزايدة بالاعتراف بهذا التنوع.
و الخطر الحقيقي ليس في التنوع ذاته ، بل في التوظيف السياسي للغات، فحين تصبح اللغة “سلاحاً” في الصراعات الداخلية و الإقليمية ، يتحول التنوع إلى أداة فرقة.
والمساواة الحقيقية هي أن تكون حقوق المواطن الكردي والعربي والسرياني واحدة، وأن تُحترم لغاتهم كلغات خاصة بهم في التعليم والتعلم ، بينما تبقى اللغة العربية لغة الدولة والمشترك العام. ليس هذا تفريطاً، بل هو عين تطبيق الأية الكريمة .
ولكن هل يمكن لسوريا أن تصبح نموذجاً في إدارة التنوع اللغوي؟
بالتأكيد ممكن وهذا يتطلب:
اعترافا دستوريا باللغات المحلية كلغات ثقافيةرسمية ، مع العربية كلغة رسمية للدولة.
و تعليم اللغة الأم في المراحل الدراسية المختلفة ، و فصل القضية اللغوية عن السياسية، و عن المطالب الوطنية الجامعة.
وعلى هذا الاساس فإن يوم اللغة الكردية ليس مجرد مناسبة فولكلورية.
إنه اختبار لمدى نضج المجتمع والدولة في التعامل مع التنوع.
وإذا استطاعت سوريا أن تترجم هذا الإطار إلى سياسات عامة عادلة، فسوف تتحول لغاتها المختلفة من عامل “صراع واختلاف ” إلى “مصدر قوة وجمال”. وإلا، فسيظل الاحتفال باللغة الكردية فعلاً احتجاجياً، لا لحظة احتفاء وطني جامع. وعندها فقط، نكون قد فهمنا حقاً معنى أن الاختلاف آية، والتعارف غاية، والتقوى معيار.
وعندها فقط يكون العيد عيداً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…