بعد تعثر الحركة الكوردية في سوريا… إلى أين؟

فيصل اسماعيل

بعد أكثر من عقد على التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، يجد الكورد أنفسهم أمام سؤال مصيري: لماذا لم تستطع الحركة الكوردية حتى الآن تحقيق الحقوق القومية والسياسية التي طالما ناضل الشعب الكوردي من أجلها؟
ورغم التضحيات الكبيرة والظروف التاريخية التي أتيحت للكورد خلال سنوات الحرب، إلا أن النتائج بقيت أقل بكثير من حجم الآمال والطموحات.
إن تحميل المسؤولية فقط للقوى الإقليمية والدولية أو لعداء الأنظمة المتعاقبة لا يكفي لفهم حقيقة الأزمة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بقوة الخصوم، بل أيضاً بوجود خلل عميق داخل البنية السياسية الكوردية نفسها، سواء في أسلوب الإدارة أو طبيعة الخطاب أو شكل العلاقات الداخلية. والاعتماد على القوى التي لا تعترف بكورديتها وتسليم ارادة الكورد لها من قبل اغلب الحركة الكوردية الكلاسيكية
لقد تحول الانقسام الكوردي إلى أحد أخطر أسباب الضعف. فبدلاً من بناء مرجعية قومية موحدة، دخلت القوى الكوردية في صراعات استنزفت الشارع وأفقدت الناس الثقة بالأحزاب لانها تراجعت عن تمثيل القضية الكوردية امام احزاب والقوى التي عملت لصالح المشاريع الطوبوية كأخوة الشعوب والامة الديمقراطية . ومع مرور الوقت، أصبحت كثير من القوى السياسية أسيرة حسابات النفوذ الحزبي والمصالح الضيقة، بينما تراجع المشروع الوطني والقومي الجامع.
كما أن الارتهان للخارج شكل مأزقاً حقيقياً. فالقوى الدولية والإقليمية لا تتحرك بدافع حماية حقوق الشعوب، بل وفق مصالحها الخاصة. لذلك بقي القرار الكوردي في كثير من الأحيان مرتبطاً بالتوازنات الخارجية أكثر من ارتباطه بالإرادة الشعبية الكوردية، ما جعل المكتسبات هشة وقابلة للتراجع عند أي تغير سياسي أو عسكري.
ومن جهة أخرى، أخفقت الحركة الكوردية في تحويل قوتها العسكرية والسياسية الحقيقية إلى مشروع مؤسساتي متكامل يخدم المجتمع. وارتهانها لقوى عابرة الحدود فالشعوب لا تعيش فقط على الشعارات القومية، بل تحتاج إلى اقتصاد وتعليم وخدمات وعدالة وإدارة ناجحة. وعندما يشعر المواطن بأن حياته اليومية لا تتحسن، تبدأ الهوة بالاتساع بين الشارع والقوى السياسية. وهذا ماتم في المناطق الكوردية
إن المرحلة القادمة تتطلب مراجعة شاملة وشجاعة، تبدأ بالاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن الحلول. فلا يمكن بناء مستقبل مختلف بعقلية الإقصاء والتخوين واحتكار القرار. المطلوب اليوم هو إنتاج مشروع قومي كوردي واقعي وواضح، يقوم على الشراكة السياسية واحترام التعددية، ويطرح رؤية قابلة للحياة داخل سوريا المستقبل.بعيدا عن الاحزاب التي لا تقر بكورديتها وتعمل لصالح القوى الدول الاقليمية
كما أن نجاح أي مشروع كوردي لن يتحقق بالعزلة عن بقية مكونات البلاد. فالقضية الكوردية ليست قضية انفصال، بل قضية شعب يريد الاعتراف والكرامة والشراكة الحقيقية. ولذلك فإن بناء جسور التفاهم مع كافة المكونات السورية من العرب والسريان وبقية المكونات السورية يشكل ضرورة وطنية وسياسية في آن واحد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحقوق لا تُحمى فقط بالسلاح، بل أيضاً بوحدة الصف، وقوة المؤسسات، ووضوح الرؤية، وامتلاك قرار مستقل. وما لم تتمكن الحركة الكوردية من إعادة بناء نفسها على هذه الأسس، فإنها ستبقى تدور في دائرة الأزمات نفسها مهما تبدلت الظروف والتحالفات.
القضية الكوردية في سوريا لم تنتهِ، لكنها تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل القومي و الوطني المسؤول، أو الاستمرار في استنزاف الفرص حتى تضيع التضحيات في صراعات الداخل وحسابات الخارج.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

عزالدين ملا الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة. فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…