عندما تفشل الأحزاب الكردية

د . مرشد اليوسف

في لحظات الوضوح القاسية التي تعقب انهيار المشروع السياسي أو العسكري ، يسود شعور بالغليان في الشارع الكردي ، وإحساس مرير بأن الأحزاب التي خاضت المعارك من أجل “أماني الشعب”، لم تصل به في النهاية إلا إلى المزيد من الجراح .
هنا يبرز السؤال الجريء :
ألا يحق لهذا الشعب أن يقول لأحزابه “توقفوا”، كي يداوي هو جراحه ويعيد ترتيب أحلامه بنفسه؟
لا شك أن التاريخ الكردي الحديث والمعاصر – في العراق، سوريا، تركيا، وإيران – مليء بالأمثلة على الفشل المزدوج . الفشل العسكري واضح: حروب طالت سنوات دون تحقيق دولة، ومعارك انتُصرت في الميدان لكنها خسرت على طاولات المفاوضات أو بفعل الانقسامات الداخلية .
أما الفشل السياسي فهو أخطر وأكثر خفاءً فقد تحولت الأحزاب من مشاريع التحرر إلى آليات للمحاصصة والولاءات الخارجية ، حتى باتت لغة “أماني الشعب” أداة خطابية للحفاظ على الوجود ، وليس لتحقيق الإنجازات .
ولكن لماذا أصبح “ترك الشعب يداوي جروحه” ضرورة؟
هذه الحالة تطرح إشكالية عميقة: حين تفشل الأحزاب في تحقيق الأمانى الكبرى (دولة، أو حكم ذاتي جامع، أو اعتراف دولي بالحقوق الجماعية)، فإنها تبدأ في العيش على شرعية الألم، لا شرعية الإنجاز . أي أن وجودها يستمر لأنها تحكي للشعب عن آلامه، ليس لأنها تقدم له مخرجاً .
وهنا يصبح بقاء هذه الأحزاب في دائرة القيادة عائقاً، ليس مكسباً .
لأن الأهم من السياسة، في مثل هذه اللحظات ، هو “الشفاء النفسي الجمعي”.
الشعب المخذول بحاجة إلى أن يعزل أسباب إخفاقه .
والحزب الفاشل جزء من هذه الأسباب .
و ترك الشعب ليداوي جراحه يعني منحه فرصة لإعادة تعريف أولوياته :
هل يريد فعلاً “دولة قومية كردية” أم “مواطنة متساوية في دول ديمقراطية”؟ هل يريد استمرار لغة الزعامة التقليدية، أم بناء مؤسسات مدنية لا مركزية ونوعية ، تخرج من عنق الزجاجة الهوياتي الضيق؟
والسؤال الصعب : ما الذي يأتي بعد الأحزاب؟
ولكن هنا يكمن المأزق الفلسفي والعملي الأكبر . ترك الأحزاب لمكانها يخلق فراغاً .
التاريخ الكردي تعلم أن الفراغ لا يملؤه “الشعب” ككيان عضوي متجانس، بل تملؤه آلهة جديدة : أيديولوجيات، زعماء جدد ، أو قوى إقليمية تستغل الانكسار . فالشعب الكردي ليس منظومة واحدة صامتة تنتظر أن تُشفى، بل فسيفساء من الطبقات الاجتماعية والولاءات المتنافسة. وغياب الإطار الحزبي – حتى لو كان فاشلاً قد يفضي إلى فوضى محلية أشد قسوة من ترهل الأحزاب .
إذن، ربما ليست المسألة في أن “تترك الأحزاب الشعب وحيداً”، بل في أن يرغمها الشعب على التغيير الجذري ، أو حلها والعمل على تأسيس كيانات سياسية جديدة ، بقواعد شفافة، وبعقود واضحة مع الشعب الكردي .
و الشفاء الحقيقي لا يأتي بالعودة إلى الفردية والتفرق، بل بخلق أشكال جديدة من التنظيم خارج القبلية الحزبية البطريركية.
ويمكن القول إن جملة “عندما تفشل الأحزاب عسكرياً وسياسياً، ينبغي عليها ترك الشعب يداوي جروحه” هي صرخة يأس ناضجة ، أكثر مما هي خطة عملية . إنها تعبّر عن لحظة نضوج في الوعي الجمعي الكردي ولحظة إدراك أن بعض القيادات تحولت من أدوات لتحقيق الأماني إلى أجزاء من المشكلة .
و لكن النداء الحقيقي ليس لأن تترك الأحزاب الساحة ، بل لأن يُحدث الشعب نفسه زلزالاً هيكلياً في علاقته بالسياسة .
أن يعلن أن شرعية أي حزب مستقبلاً لن تكون على حساب مصالح الشعب ، بل بخدمته، وإذا عجز ، فإن الرحيل ليس كرماً ، بل واجباً أخلاقياً . عندها فقط قد تلتئم الجروح، ويبدأ أمل جديد لا يستند إلى خطابات الأحزاب، بل إلى إرادة أفراد قرروا ألا يكونوا رهائن لانهيار آخر .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…