سقوط الدكتاتور وبقاء الدكتاتورية!

كفاح محمود

 

  لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل فتح الباب أمام نظامٍ جديد أعاد إنتاج كثير من أمراض الماضي، لكن بأدوات مختلفة وشعارات مغايرة، فالدكتاتورية القديمة كانت صريحةً وعارية، تتكئ على الحزب الواحد والأجهزة الأمنية والقائد المؤلَّه، أما الدكتاتورية الجديدة، فهي أكثر دهاءً؛ تتزيّن أحيانًا بعباءة الديمقراطية، وتستند إلى انتخابات وصناديق اقتراع، لكنها في الجوهر تُدار بمنطق الغلبة العددية، لا بمنطق الشراكة الوطنية، وهنا مكمن الخطر: حين تتحول الديمقراطية من وسيلة لتنظيم التعدد إلى أداة لاحتكار القرار، وحين يُستثمر الشد الطائفي والقبلي، وتُستدعى الفتاوى الدينية، ويُسخَّر المال السياسي لشراء الأصوات، تصبح الانتخابات نفسها جزءًا من الأزمة بدل أن تكون طريقًا إلى الحل.

  لقد أفضى هذا المسار إلى طبقة سياسية نجحت في الإمساك بمفاصل الدولة، لا لتبنيها، بل لتتقاسمها، فالفساد لم يعد انحرافًا جانبيًا، بل صار بنية حكم، تبتلع الموارد، وتعطل الكفاءة، وتكافئ الولاء على حساب الخبرة والنزاهة، وفي ظل هذا الخراب الإداري، تراجعت الصناعة الوطنية، وتآكلت الزراعة، وغرقت الأسواق في سيلٍ من الاستيراد المفتوح من دول الجوار، حتى بدا العراق، بكل ما يملكه من ثروات بشرية وطبيعية، عاجزًا عن إطعام نفسه أو تشغيل أبنائه أو حماية منتجه، ومن قلب هذا الاختلال خرجت ظاهرة أشد خطورة: عسكرة المجتمع، فحين تضيق فرص العمل، ويُخنق الاقتصاد المنتج، وتفشل الدولة في خلق أفقٍ كريم للشباب، يصبح السلاح ملاذًا، وتغدو الميليشيات بابًا للراتب والنفوذ والهوية والحماية، وهكذا لم تعد المجموعات المسلحة مجرد أدوات أمنية أو امتدادات إقليمية، بل تحولت، في نظر كثيرين، إلى بديلٍ مشوه عن الدولة وعن السوق وعن المستقبل، وهذه من أفدح نتائج ما بعد 2003: انتقال أعداد واسعة من الشباب من انتظار الوظيفة إلى الارتهان لبنيةٍ مسلحة تتغذى من البطالة، وتعيش على هشاشة الدولة، وتكرس منطق القوة على حساب القانون.

  ولم يقف التدهور عند هذا الحد، بل ترافق مع تراجعٍ واضح أمام النظامين الطائفي والعشائري، فبدل أن يتقدم العراق نحو دولة المؤسسات، تمددت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وصار الانتماء الطائفي أو العشائري، في كثير من الأحيان، أسبق من الدستور والقانون والكفاءة، وهكذا تراجعت فكرة المواطن، وصعدت صورة التابع: تابع الطائفة، أو العشيرة، أو الحزب، أو الفصيل.

  أما القضية الكردية، فقد كشفت بوضوح أن النظام الجديد لم يتحرر تمامًا من ذهنية الأنظمة السابقة، صحيح أن الخطاب تغيّر، لكن الممارسة كثيرًا ما ظلت أسيرة عقلية الشك والعقاب والهيمنة، فمن اجتياح المناطق المتنازع عليها، إلى فرض الضغوط المالية والحصار على الإقليم، إلى قطع أو تعطيل رواتب موظفيه، وصولًا إلى التعتيم على استهدافه بمئات الطائرات المفخخة والصواريخ التي طالت مؤسساته النفطية والسياحية ومطاراته وبيوت مواطنيه، بدا واضحًا أن الشراكة العراقية ما تزال، في لحظات الاختبار، مهددة بثقافة الغلبة نفسها التي لم تُحسم تاريخيًا.

  لهذا لا تكمن مأساة العراق في أن الدكتاتور سقط، بل في أن نهج الإقصاء لم يسقط معه، تبدلت الوجوه، وتغيرت الأدوات، لكن الدولة ما تزال تُدار، في لحظات كثيرة، بعقلية من يرى الحكم تفويضًا بالاستئثار، لا تكليفًا بالشراكة، وما لم يخرج العراق من هذه الحلقة، ويؤسس فعلًا لدولة قانون ومواطنة وعدالة وتوازن، فإن سقوط الفرد سيبقى حدثًا ناقصًا، لأن النهج الذي أنتجه ما يزال يجد من يرثه ويطوره ويمنحه شرعيةً جديدة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…