سياسة حافة الهاوية في السلوك التفاوضي الإيراني: قراءة تحليلية في ضوء التجربة مع القيادات الكردية

أحمد بلال
تُعدّ سياسة “حافة الهاوية” من أبرز السمات التي ميّزت السلوك التفاوضي للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الماضية، حيث تقوم على تصعيد المواقف إلى حدود قصوى بهدف تحسين شروط التفاوض وانتزاع تنازلات من الخصوم الدوليين. غير أن هذا النهج يتخذ مسارًا مختلفًا عند التعامل مع المعارضين، لا سيما من الحركات القومية، إذ تشير وقائع تاريخية إلى لجوء السلطات الإيرانية إلى أساليب قسرية، من بينها الاغتيالات السياسية خارج حدودها.
وفي هذا السياق، تُعدّ حادثة اغتيال الزعيم الكردي عبدالرحمن قاسملو عام 1989 في فيينا، خلال جولة مفاوضات مع ممثلين عن الحكومة الإيرانية، واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك. كما تلتها حادثة اغتيال القيادي الكردي صادق شرفكندي عام 1992 في برلين، إلى جانب عدد من رفاقه، في واقعة عُرفت لاحقًا بحادثة “ميكونوس”. وقد اعتُبرت هاتان الحادثتان مؤشرًا على طبيعة العلاقة المتوترة بين طهران والمعارضة الكردية، وعلى استخدام أدوات غير تقليدية في إدارة الصراع.
يُلاحظ أن اللجوء إلى هذا النمط من السلوك غالبًا ما يتصاعد في المراحل التي تشعر فيها إيران بتراجع هامش المناورة السياسية أو ضعف موقعها التفاوضي، فتسعى إلى التعويض عبر التصعيد أو عبر وسائل أخرى. ومع ذلك، أظهرت التجربة الدولية، وخاصة في ملف الاتفاق النووي لعام 2015، أن إيران قد تجد نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى التكيف مع الضغوط الدولية وتقديم تنازلات، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية.
في المرحلة الراهنة، تتزايد التساؤلات حول مدى فعالية هذا النهج، خاصة في ظل تغير البيئة الدولية وتنامي خبرة الأطراف المقابلة في التعامل مع أساليب التفاوض الإيرانية. كما يُطرح تساؤل إضافي يتعلق بطبيعة الوفود التفاوضية الإيرانية الحالية، ومدى امتلاكها للخبرة السياسية والدبلوماسية الكافية لإدارة مفاوضات معقدة، مقارنة بالمراحل السابقة.
ويذهب بعض التحليلات إلى الربط بين الإرث السابق للعلاقة مع القيادات الكردية وبين الشكوك التي تحيط بسلوك بعض المفاوضين، خصوصًا في ظل الذاكرة التاريخية المرتبطة بحوادث الاغتيال التي جرت خلال أو في أعقاب عمليات تفاوض. إلا أن مثل هذه الاستنتاجات تبقى ضمن إطار التحليل السياسي، وتحتاج إلى أدلة مباشرة لإثبات وجود استمرارية مؤسسية في هذا السلوك.
على الجانب الآخر، فإن تعثر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ينعكس على التوازنات الإقليمية. إذ قد تستفيد الولايات المتحدة من تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، لضمان أمن الملاحة الدولية. كما يرى بعض المراقبين أن إسرائيل قد تجد في إضعاف الموقف الإيراني مكسبًا استراتيجيًا، في سياق سعيها للحفاظ على تفوقها الإقليمي.
وفي هذا الإطار، يُستحضر أحيانًا الطرح الذي قدمه عوديد ينون عام 1982، والذي تناول فكرة إعادة تشكيل المنطقة عبر إضعاف الكيانات المركزية، رغم الجدل الواسع حول مدى انطباق هذا الطرح على الواقع الحالي، أو اعتباره سياسة فعلية معتمدة.
في الخلاصة، يمكن القول إن سياسة حافة الهاوية، رغم ما قد تحققه من مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، تواجه تحديات متزايدة في ظل بيئة دولية أكثر تعقيدًا وشفافية. كما أن الإرث التاريخي للعلاقات مع بعض قوى المعارضة، ومن بينها القيادات الكردية، يظل عاملًا مؤثرًا في تشكيل perceptions (التصورات) تجاه السلوك السياسي الإيراني، وهو ما قد ينعكس بدوره على فرص الثقة في أي مسارات تفاوضية مستقبلية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…