حزب العمال الكردستاني والتهديد البنيوي للوجود الكرد

عبدالجبار شاهين

لم تعد القضية الكردية مهددة فقط بجيوش الدول المحتلة ولا بسياساتها القمعية المباشرة بل باتت مهددة على نحو اخطر بمسارات داخلية انحرفت عن جوهر التحرر وتحولت من ادوات مقاومة الى عوامل استنزاف تقوض الوجود القومي الكردي من اساسه فحين تتحول العسكرة الى غاية دائمة ويصبح الدم وسيلة لتجديد الشرعية التنظيمية لا لتحقيق هدف وطني واضح وحين تُفرغ القضية من بعدها القومي لصالح مشاريع غامضة او عابرة للهوية فاننا نكون امام خطر وجودي حقيقي قد يحقق لاعداء الكرد ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة طوال عقود

ان اخطر ما يواجه الوجود الكردي اليوم لا يتمثل فقط في سياسات الانكار والاحتلال بل في تحول بعض الحركات التي رفعت راية التحرر الى عبء استراتيجي يعمل من داخل الجسد الكردي على تفكيك المجتمع واستنزاف طاقاته واعادة انتاج الهزيمة باسم الثورة وفي مقدمة هذه الحركات يبرز حزب العمال الكردستاني الذي لم يعد مجرد تنظيم اخفق في تحقيق اهدافه بل تحول تدريجيا الى عامل يثير مخاوف جدية على مستقبل القضية الكردية نفسها

فبعد عقود من القتال والتضحيات الهائلة لم يحقق الحزب اي مكسب سيادي حقيقي للشعب الكردي بل على العكس ساهم في خلق بيئة امنية معقدة استُخدمت مرارا كذريعة لتوسيع التدخلات العسكرية في مناطق كردية متعددة سواء في روجافا او في اجزاء من اقليم كردستان حيث تحولت مساحات واسعة الى ساحات صراع مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون والبنية الاجتماعية الكردية

وتتجلى خطورة هذا المسار بشكل واضح في تجربة الحزب في شنگال حيث جرى تشكيل قوات محلية خارج الاطار الكردي العام تحت مسمى قوات حماية شنگال وهو ما ادى الى تعقيد المشهد الامني والسياسي هناك ومنع عودة قوات البيشمركة في سياق صراعات نفوذ اقليمية تداخلت فيها اطراف عراقية مسلحة مثل الحشد الشعبي الامر الذي جعل شنگال ساحة مفتوحة لتجاذبات لا تخدم استقرار اهلها ولا مستقبلها الكردي

والاخطر في هذا السياق ان هذا الواقع لم ينتج كحالة طارئة بل تحول الى امر مستمر يعكس اختلالا عميقا في فهم العلاقة بين السلاح والسياسة حيث لم يعد السلاح وسيلة لحماية الوجود الكردي بل اصبح في حالات كثيرة عاملا يعيد تشكيل الجغرافيا الكردية خارج ارادة اهلها ويضعف وحدة القرار السياسي الكردي

وفي موازاة ذلك جاء التحول الايديولوجي نحو مشاريع مثل الكونفيدرالية الشرق اوسطية والاندماج الديمقراطي والأمة الديمقراطية وإخوة الشعوب ليعمق الازمة بدل ان يحلها اذ ان هذه الطروحات في ظل موازين القوى الحالية لا تقدم اجابة عن سؤال الدولة والحقوق القومية بل تعيد صياغة القضية الكردية ضمن اطار فضفاض قد يؤدي في نتيجته الى تذويب الهوية القومية الكردية داخل كيانات قائمة دون ضمانات حقيقية للسيادة او تقرير المصير

ان هذا الواقع يضع النخب الكردية امام مسؤولية تاريخية لا يمكن تأجيلها فالصمت لم يعد حيادا والتبرير لم يعد قراءة سياسية بل مشاركة في استمرار ازمة تهدد جوهر الوجود الكردي نفسه وان النقد لا يعني الانقسام بل يعني محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه قبل ان يتحول المسار الحالي الى طريق مغلق لا عودة منه

ان القضية الكردية لا يمكن ان تبنى على الاستنزاف الدائم ولا على عسكرة مفتوحة بلا افق ولا على مشاريع نظرية منفصلة عن الواقع بل تحتاج الى اعادة تأسيس شجاعة لمشروع سياسي كردي واضح يضع الانسان الكردي وحقوقه وارضه وكرامته في مركز الفعل السياسي ويعيد تعريف النضال بوصفه طريقا نحو حل لا نحو استمرار الازمة

ان اللحظة الراهنة ليست لحظة شعارات بل لحظة مراجعة كبرى فالتاريخ لا ينتظر المترددين ولا يرحم من يكررون اخطاء الماضي باسم الثورة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس العالم لا يُدار اليوم بعقول سياسية متزنة، بل بإرادات متضخمة تبحث عن إشباع ذاتها، ولو على حساب تدمير ما تبقى من توازن. هذه ليست مبالغة بل توصيف لمرحلة، حيث لم تعد الحرب استثناءً في السياسة، بل امتدادًا لاختلالها. الحرب الجارية لم تكن مجرد صراع عابر في سجل النزاعات الدولية، بل بدت كواحدة من أكثر الحروب غرابةً وقذارةً…

شادي حاجي حين يحتدم الخلاف داخل أي حزب أو تنظيم سياسي، يميل البعض إلى التعامل معه بوصفه أزمة طارئة ينبغي احتواؤها سريعاً، بينما يغفل آخرون أن الخلاف في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية بالمطلق، بل يمكن أن يكون مؤشراً على حيوية التنظيم وتعدد وجهات النظر داخله. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته وحسمه:…

محمد بنكو الصراع الدائر حالياً بين الكتلتين في حزب يكيتي هو، في أقل تقدير، صراع يفتقر إلى النزاهة. والمؤسف أنهم يرفعون شعارات الالتزام بالنظام الداخلي وخدمة القضية، في حين أنهم أنفسهم من تجاوز هذا النظام عند الحاجة، خاصة في الفترات الحرجة التي سبقت المؤتمر الثامن. وهم أيضاً من ساهموا في ابتعاد كثير من المناضلين والمضحين عن الحزب. وعند لحظة الحقيقة،…

حسن قاسم يمرّ حزب يكيتي الكوردستاني في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحله حساسية، في ظل أزمة داخلية تنذر بتداعيات قد تتجاوز حدود الحزب لتطال مجمل الحركة السياسية الكوردية في سوريا. فالأمر لم يعد مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل بات اختبارًا حقيقيًا لقدرة هذا الحزب العريق على الحفاظ على وحدته وتماسكه. للتاريخ، لم يكن يكيتي حزبًا هامشيًا في مسار النضال…