فواز عبدي
حين اختار الإنسان البدائي البقاء ضمن الجماعة/القطيع، اختار الحفاظ على حياته، اختار الأمان، لأن الفرد الذي كان يختار الانفصال عن الجماعة، كان وكأنه يوقع على شهادة وفاته.. فخارج الجماعة يصبح الفرد لقمة سائغة للضواري وعرضة لفتك الطبيعة.
لكن الإنسان (كائن اجتماعي بطبعه)، يحتاج ، إلى جانب الأمن، للهوية والمعنى والانتماء. وهنا ينبغي التمييز بين الجماعة كفضاء طبيعي للتكافل والإبداع، وبين عقلية القطيع التي تعطل التفكير الفردي لصالح الذوبان غير الواعي في الكثرة.
أما أن تستمر عقلية القطيع في العصر الرقمي، حيث تقوم الدولة الحديثة –نظرياً- بحماية الفرد بقوة القانون، فتلك مفارقة تستحق الوقوف عندها.
نعم، مع نشوء الدولة الحديثة وتبلور مفهوم ” العقد الاجتماعي”، انتقلت حماية الفرد من “صدر القبيلة” إلى “قوة القانون” –مع ما عليه من مآخذ بين دولة ودولة-. وهنا تراجعت الحاجة البيولوجية إلى الاحتماء بكثرة عددية طلباً للأمن على حياته، وأصبحت مؤسسات الدولة (الجيش، الشرطة، القضاء..) هي الضامن.
في هذه اللحظة التاريخية ولدت إمكانية جديدة: أن يختلف الفرد ، أن يعارض، وأن يكون “واحداً” في مواجهة الجميع دون أن يُستباح دمه، فهو محميّ – ولو نظرياً- بمظلة القانون. وهنا تعززت قيمة “الفردية” كمنجز حضاري لا بوصفها عزلة، بل بوصفها استقلالاً في التفكير ومسؤولية شخصية في ما يقوم به، مما أدى إلى زيادة الإبداع الفردي..
والمفارقة هي أنه في عصرنا الحالي، ورغم وجود القوانين والحقوق، عادت “سطوة الجماعة” لتطل برأسها، لكن هذه المرة بصورة “عقلية القطيع الرقمية”.
ففي الفضاء الرقمي تظهر قوة القطيع بأوضح صورها، حيث يهاجم الآلاف شخصاً ما، لا لأنهم درسوا موقفه، وربما لا يعرفونه أيضاً، وإنما لمجرد أن الموجة تتجه لذلك، كما نراها في الهوس بالـ”ترند” الذي يجعل الملايين يستهلكون محتوى تافهاً فقط لأنه حقق انتشاراً كبيراً.ـ و(حين يفكر الجميع بنفس الطريقة، فهذا يعني أن لا أحد يفكر فعلياً)، كما يقول والتر ليبمان.
وأبشع تجليات هذا القطيع اليوم هو القطيع السياسي، ففي دهاليز السياسة لا تقاس القوة بعدالة القضية أو برجاحة المنطق، بل بقوة القيادي على حشد جمهور لا يرى إلا بعينه، ولا ينطق إلا بلسانه. هنا تخرج ظاهرة عقلية القطيع من إطارها الاجتماعي الطبيعي كجماعة لتتحول إلى أداة سياسية فتاكة؛ غايتها ليست البناء، بل “التصفية” معنوياً، سياسياً، وحتى جسدياً.
تبدأ الكارثة عندما ينجح القائد الديماغوجي في إقناع أتباعه بأن وجودهم مرتبط بوجوده. هنا لا يعود القطيع يناقش البرامج السياسية، بل يراقب “إيماءات” القائد، فإذا ما أشار القائد إلى جهة ما انقض القطيع عليها بضجيج التخوين والترهيب، محولاً الاختلاف في الرأي إلى “خيانة عظمى” تستوجب العقوبة.
وأكثر ما يشكل خطراً في “قوة القطيع” هو تلاشي المسؤولية الفردية، لأن الفرد داخل القطيع لا يشعر بالذّنْب إذا ألحق بك الأذى، لأنه يعتقد أنه مجرد جزء من كيان أكبر ينفذ إرادة “القائد الملهم”. هذه الحصانة النفسية هي ما تجعل أناساً عاديين يتحولون إلى محرضين وقتلة بمجرد انخراطهم في تنظيم شمولي.
وعلينا أن نفهم أنّ المشكلة ليست في الانتماء، ولا في العمل الجماعي، ولا في الحماس السياسي بحد ذاته، فالمجتمعات لا تقوم إلا بالجماعات، والسياسة لا تمارس إلا بتنظيم. الخطر يبدأ حين يتحول الانتماء إلى إلغاء للعقل، وحين يصبح الولاء الأعمى بديلاً عن التفكير، والهتاف والضجيج والتهديد بديلاً عن الحجة.
وينسى القطيع أن القائد الذي يحتاج إلى قطيع ليثبت قوته هو في الحقيقة قائد ضعيف جبان يخشى الحوار، يخشى مواجهة السؤال.
إن المجتمعات الناضجة لا تحتاج إلى قطعان، بل إلى مواطنين أحرار: يختلفون دون أن يتبادلوا الاتهام بالخيانة، ينحازون دون أن يصابوا بالعمى، ويؤيدون دون أن يفقدوا قدرتهم على النقد.