معلمون على الطرق… و محروقات تهدد مستقبل الطلبة في كوباني!

صالح بوزان دادالي 
أربعة عشر عامًا مرّت، ولا يزال شعب كوباني يدفع ثمنًا يفوق طاقته؛ بين تضحيات جسام قدّمها في مواجهة الإرهاب والفصائل المتطرفة التابعة اليوم لسلطة دمشق بقيادة أحمد الشرع ( أبو محمد الجولاني )، وبين خذلانٍ داخلي تمثّل في ممارسات بعض الإداريين الذين تعاملوا مع الناس بفوقية، وأصدروا قوانين ومراسيم أثقلت كاهلهم بدل أن تنصفهم.
حيث كان قانون الحدّ من زواج الرجل بامرأة ثانية أحد أكثر القوانين إجحافًا بحق المجتمع الكردي، في ظل تكالب الأنظمة الغاصبة لكردستان على هذا الشعب.
لقد قدّم أبناء كوباني، منذ عام 2014، أغلى ما يملكون، وواجهوا الموت دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، فيما لا يزال مصير المئات منهم معلّقًا بين الأسر والشهادة لدى السلطة المؤقتة في دمشق . ومع ذلك، لم يلمس هذا الشعب التقدير الذي يليق بتضحياته، بل وجد نفسه، في كثير من الأحيان، أمام إدارة لم تُعِر اهتمامًا حقيقيًا لمعاناته.
ورغم الموارد التي كانت متاحة لدى تلك الإدارة، بقيت كوباني تعاني من أزمات خانقة؛ إذ خضعت المحروقات لسيطرة بعض ضعاف النفوس، بينما كانت تُباع بشكل علني في المناطق العربية. كما تفاقمت أزمة الخبز، من حيث الكمية والجودة، ما زاد من معاناة الأهالي. 
واليوم، وبعد كل تلك السنوات، تعيش كوباني وضعًا أكثر تعقيدًا؛ بين ضغوط سلطة دمشق، وتراجع ما تبقى من الإدارة الذاتية، ما انعكس سلبًا على مختلف جوانب الحياة.
وفي مشهد يعكس حجم التناقض، تصطف صهاريج المازوت على مداخل المدينة لعدم توفر أماكن للتفريغ، بينما يقف المواطنون لساعات طويلة في طوابير الوقود للحصول على كميات محدودة، تأتيهم كمنحة ومنّة من سلطةٍ مارست الإرهاب بحق الكرد ومختلف المكونات السورية التي تخالفها الرأي والعقيدة!، بعد أن كانت موارد المنطقة “النفطية والزراعية والتجارية” تُدار محليًا من قبل تلك الإدارة. وفي المقابل، تُباع هذه المواد بكميات كبيرة في شوارع كوباني، في صورة تعكس حجم الفوضى وسوء الإدارة.
ويُعدّ قطاع التعليم اليوم مثالًا صارخًا على هذا التدهور؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على ضعف الإمكانات أو نقص الموارد فحسب، بل تجاوز ذلك إلى تهديدٍ مباشر لاستمرارية العملية التعليمية نفسها، حيث تكاد العديد من المدارس تتوقف عن العمل بشكلٍ شبه كامل نتيجة عجز الكوادر التدريسية عن تأمين المحروقات اللازمة للوصول إلى أماكن عملهم، لا سيما في القرى والأرياف المحيطة بكوباني. هذا الواقع لا ينعكس فقط على المعلمين، بل يمتد أثره إلى آلاف الطلبة الذين يجدون أنفسهم أمام انقطاعٍ متكرر أو حرمانٍ شبه تام من حقهم في التعليم، ما يهدد مستقبل جيلٍ كامل.
إن ما يجري اليوم يفرض مسؤولية مباشرة على الجهات المعنية، لا سيما إدارة المحروقات والتوجيه التربوي، للتحرك العاجل وتوفير الدعم اللازم للكوادر التعليمية، وضمان استمرار العملية التعليمية؛ لأن إنقاذ التعليم ليس مجرد إجراءٍ خدمي، بل هو استثمارٌ استراتيجي في مستقبل كوباني، وخطوة أساسية نحو استعادة التوازن المجتمعي، وصون ما تبقّى من مقومات الصمود في وجه التحديات الراهنة.
هولير 9 / 4 / 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..