د. محمود عباس
إن استمرار احتجاز الأسرى الكورد في سوريا ليس قضية هامشية، بل هو اختبار حاسم لما إذا كان هناك نظام سياسي جديد يتشكّل فعلًا، أم أن أنماط القمع القديمة يعاد إنتاجها بصيغ جديدة.
هؤلاء الأسرى، سواء كانوا من قوات سوريا الديمقراطية أو من تشكيلات كوردية أخرى، لا يزالون رهن الاحتجاز دون مبررات قانونية مقنعة. واستمرار اعتقالهم يبعث برسالة خطيرة مفادها أن منطق الهيمنة لا يزال يحكم السلطة السياسية، وأن حقوق الكورد ما تزال مشروطة وليست أصيلة.
هذه ليست مجرد قضية إنسانية، بل هي مسألة سياسية بنيوية تمسّ جوهر الشرعية. فلا يمكن لأي سلطة تدّعي الانتقال إلى ما بعد الاستبداد أن تنتقي من تمنحه الحرية ومن تحرمه منها، بينما تتحدث في الوقت ذاته عن الوحدة والإصلاح.
لقد كان الشعب الكوردي أحد أبرز القوى التي ساهمت في محاربة تنظيم داعش، وقدم دورًا حاسمًا في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي. ومع ذلك، يُعامل المعتقلون الكورد اليوم لا كشركاء في الاستقرار، بل كخصوم. وهذا التناقض يقوّض أي ادعاء جاد ببناء مستقبل سياسي شامل ومستقر.
إن إطلاق سراح الأسرى لا ينبغي أن يكون موضوع تفاوض أو مساومة سياسية أو خاضعًا للضغوط، بل هو واجب قانوني وأخلاقي لا يقبل التأجيل. إن الاستمرار في تجاهل هذا الملف لا يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة، وإعادة إنتاج ممارسات النظام السابق بأساليب مختلفة.
ومن هنا، فإننا نطالب الحكومة السورية الانتقالية باتخاذ خطوات فورية وغير مشروطة للإفراج عن جميع الأسرى الكورد، وكذلك عن جميع المعتقلين على خلفيات سياسية من مختلف مكونات الشعب السوري.
كما ندعو الجهات الدولية الفاعلة، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى عدم تجاهل هذه القضية، والعمل على إدراجها ضمن أولويات أي انخراط سياسي في الملف السوري.
لا يمكن بناء سوريا جديدة على أسس الاعتقال والإقصاء، ولا عبر إعادة تدوير أدوات القمع. فإذا سُمح للماضي أن يعيد إنتاج نفسه تحت مسميات جديدة، فإن أي حديث عن الانتقال السياسي سيفقد معناه قبل أن يبدأ.
لم يعد السؤال ما إذا كانت سوريا ستتغير، بل ما إذا كانت مستعدة لإثبات ذلك.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
6/4/2026م