المثقف الكردي في قفص الاتهام

جهان كور نعسان

المثقف الكردي هو أكثر من استبشر وبارك سقوط النظام الأسدي بهيكليته و البعثي بعقيدته ، فليس بخافٍ كم من الأكراد المثقفين كانوا من معتقلي الرأي على مدى سنوات كُمِّمت فيها أفواه المثقفين بكل انتماءاتهم القومية والدينية في سوريا ، فلم يسلم في ذلك العرب و الكرد كما لم يسلم لا العلويون ولا الدروز ولا المسيحيون ولا أي ممن رفضوا النأي بالنفس عن قضايا الحرية و العدالة و المساواة على أساس المواطنة السليمة . و معظم المثقفين الكرد كانوا من السباقين في مناهضة الظلم لذا سرعان ما استجرهم الحراك الثوري فشاركوا في المظاهرات و الإضرابات و غيرها من وقفات العزة و الكرامة. ولنكون شفافين حظي المثقف الكردي المنشق عن النظام و المنضم إلى صفوف الثورة بشكل مصرح عنه بالكثير من الالتفات إليه حتى تبوأ بعضهم مناصب في محافل مهمة خلال سنوات كدنا جميعاً نظنها الواقع المستدام للظرف السوري الذي ارتبط بكل متراجحات القوى المسيطرة و المتدخلة و المستفيدة و المتضررة حتى جاء اليوم الذي غير وجه سوريا بهروب من أطبقوا على أنفاس الوطن كله حتى عصافيره فما بالكم بمثقفيه و رواد فكره .

التغييب الإعلامي للمثقفين الكرد

مع بداية التحرير كان هناك ثلة قليلة من الأسماء اللامعة من المثقفين السوريين الذين تمرسوا كما يجب في أروقة الإعلام و منابر الفكر في بلدان اغترابهم مع تنقلهم في ندوات معارض الكتب و أمسيات الأدب و الشعر حتى أمسكوا بتلابيب الحضور الذي يؤهلهم ليتبوؤا مناصب حساسة في الساحة الثقافية السورية و كذلك في الحقائب الوزارية المختلفة ، و هو أمر ليس إلا بمحمود . لكن بالنسبة للمثقفين الكرد بدأنا نلاحظ تغييب لحضورهم الإعلامي من ناحية و الميداني في المحافل الثقافية من ناحية أخرى و التمثيلي كذلك و كاد الأمر يعتبر عادياًً أسوة بشرائح لأطياف كثيرة غيبت عدا ربما لكون أغلبهم في بلدان المهجر منذ زمن فرارهم بأنفسهم من بطش القتل و الاعتقال . لكن مع مرور عام بدأ المثقف الكردي يشعر بأنه غير مرحب به وهذا ما لاحظته بسمتي شاعرة و أتواجد باستمرار في الوسط الثقافي في سوريا الجديدة بعد تهميش في العهد البائد ، فإذا حضر الكردي المثقف حاولوا طمس هويته الأم القومية الكردية و السبب دون شك عائد إلى ربط الموقف من الكرد بالعموم بالمواقف السياسية بالخصوص ، فيترتب بناء عليه على المثقف الكردي إما أن يُغرِق بالولاء الأقرب إلى التملق أو يمارس التنصل و التنكر لبني جلدته بالمطلق تقريباً لا من اتجاه سياسي كردي مخصص ، و إلا فليعد أدراجه ولا مكان لا له ولا لإبداعه .

المثقف الكردي بين شعبه و سلطته

لا سعياً إلى الحظوة و إنما إيماناً بدوره يستشعر المثقف الكردي خطورة إقصائه أو رفض تقديمه بصورته ووجهه الحقيقي ، فيعمد إلى إبداء حسن النوايا و التذكير بدوره ، ولعله يقدم براهينه و أدلته التي سرعان ما يفندها المعنيون أو يرمون تلك التضحيات بباب دور الوطني الأصيل أو بعدم الاكتراث و أحياناً أخرى للأسف بالانتقاص و التخوين وقلب المقاصد و المفاهيم و الأدوار ! ليُناطَ به دور الجلاد على قوميته وأهله بدلاً من اختياراته المتنوعة تحت سقف الحرية المنشودة ؛ فيتم توجيهه إلى العمى عن كل ما يراه بأم عينه من عدم قبول لتواجده كدور فاعل ثم إلى تمجيده دوره المناط و الذي لا يتعدى المفعول به أو المعه أو الظرف أو المجرو، فلا هو بخبر ولا بمبتدأ ولا لأجله سيفعل ولا من الصدارة بشيء وباختصار لا محل لوجوده من الإعراب … هو علّة و أيّما علّة ولا مجال إلا بصرفه بعيداً عن الساحة الثقافية التي هي موضوعنا … هذا هو حال المثقف الكردي وسلطته مع كل ألم …

أما شعبه و أنا أقصد هنا الكرد تحديداً الذي هو منهم ، فيبدأ هؤلاء مثقفين كانوا مثله أو غير ذلك في تخوينه كذلك لمجرد ظهوره بصورة و أحد وجوه السلطة السياسية أو الثقافية البارزة في الدولة و الذين يتخذون من رمي الأكراد في سلة واحدة منهجاً . فما أسهل شتم كاتب من جاهل لا يقرأ ولا أسهل من هتك علم أحدهم لفتوى لم تكن على مقاس سعادته و هذه شاعرة سلطة لمجرد عنوان لقصيدة تتغنى بحلم للتعايش بسلام و هذا يٓصادَر حقُّه بتمثيل الكرد لأنه لا يتحدث بلغته و هكذا .

الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى أن يغفر المواطن الكردي السوري للسياسي الكردي كل شيء مما طاله من ذعر مثلاً نتيجة ما استجرت إليها مناطقهم من تهديدات و اشتباكات بسببهم ، بينما يقف للأديب الفلاني بالمرصاد على كلمة أدلى بها في مضمار مما أسلفنا . فنجد من يشنُّون حرباً معلنة على روائي كردي حمل قضية شعبه على كاهله في كل ما كتب لمجرد حضوره معرض دعي إليه في وطنه باعتبار القائمين لم يحترموا مواطنة الكرد لربطها بسياسات دفع الشعب وحده فواتيرها دماً و نفياً و جوعاً و برداً في حين تنعم سياسيوهم في تلبية دعوات على أعلى المستويات . عني كمثقفة كردية أستشعر مسؤولية حقيقة اتجاه ما أحمله من رسالة أُقابَل كل يوم بعلامات استفهام من السلطة الثقافية و التي تكاد تكون نفسها السياسية لو تعاطفت مع أطفال كوباني الجياع مثلاً. لو دعمت حملة تشجير بقصيدة تحمل أسماء قرى كردية مثلاً. لو تضامنا بقصيدة مع أهل عفرين الذي لاقوا من وطأة السرقة و الظلم و التنكيل و مصادرة أملاكهم . و إنها والله لفطرة أن يتعاطف أحدنا مع خاصته بشكل له خصوصيته مع حفاظه على تفاعله و سائر القضايا التي تخص أخوته في المواطنة من سائر الأطياف و في جميع الأنحاء.

المثقف الكردي له وجعه الخاص

لا أحد يعلم ارتكاسات المثقف الكردي المحكوم بقدَره لكونه كردي الهوى ، ثم إنه عربي اللسان و القلم بإبداعه ؛ و لكم هو مؤلم أن يترجم الأديب أو الشاعر أو الفنان أو الموسيقي أو الصحفي أو الإعلامي أو أياً يكن عجمة همّه و قضايا وجعه إلى أن يضطر بالبوح بسرِّه بعربيةٍ تُنكِر تشاركيّته و كينونته لا لشيء فقط لكرديته التي لا يملك في اختيارها أمراً . لو كان مُختاراً لاختار بلا تردد أن يبوح بلسان قلبه و هوى أسى إقصائه عبر عهود ، فلمّا توسّم خيراً بالعهد الجديد وجد منهم من لا يزالون على نهج الفكر الأحادي ؛ فذاك مسؤول يدني من يشاء و يقصي من يشاء حسب الأهواء ، و يرفع مع بواكير العهد الجديد قائمة أسماء على أنهم وطنيون دون أن يرفع اسماً واحداً من المثقفين الكرد ، و يتعامل بأسلوب غير مسؤول مع سين أو جيم والتهم جاهزة ، فيُعاقَب المثقف الكردي بإعادة تهميشه بصمت ويدفع فاتورة تعاطف فطري وقضايا تخص تاريخه و حاضره ومستقبله بينما يجلس السياسيون منهم مبتسمين . و الثمن ندفعه هنا خيبة بمعايشة اللاانتماء مجدداً واللامحاسبة مع الأسف ليجتر المثقف الكردي أساه بين تخوينه من المسؤولين و تخوينه من جمهوره و إقصائه عن سلطته و انفصامه عن دوره و تجريده من ممارسة حقه في التعبير و الرفض و الولاء والنقد و الاختيار و الانسحاب. هو محمل بكل هذه الخيبات في حين يذوي ضيَّ عينيه في خط كلماته و تتآكل تلافيف أدمغة أفكاره ، و هو يحرر الاستعارات و يُقطِّع الأوزان و يستلهم الذواكر في خط عذابات أبطال رواياته. هذا إذا نسينا أوجاعه كفرد عانى من كل ما عانى منه الآخرون من ظروف لاإنسانية ، و هو يصابر في سبيل مواطنة حقة له و لأهله على أسس الكفاءة و التشاركية لا على أسس  التنصل من الانتماء و السعي للإرضاء . كان يرجو يوماً يجد نفسه في مكانه الطبيعي لا مرمياً خارج قوائم الحضورالرسمية بتهمة غير منصفة هي أنه كردي ليس إلا و كل ما عدا هذه التهمة محض هراء فالساسة بعيدون بينما المثقفون المعنيون يستبدون و لا يرجون للمثقف الكردي لا وقاراً و لا إنعاماً ولا احتراماً بأقل أقل ما هو مرجو.

المثقف الكردي بعد هذا إلى أين ؟

الأحرى بنا كسوريين مثقفين هو لملمة جراحاتنا و اجتماعنا فعلاً لا شعاراتياً على تحلقنا حول القيام كل منا بدوره في نشر الفكر الحر بعيداً عن الخوف أو الاستبداد بالموقف وفق هوى التعصب القومي العربي على نهج البعث و الذي سيولد في المقابل تعصباً قومياً كردياً حين يجد المثقف الكردي نفسه قابعاً في قفص الاتهام محاصراً من كل الاتجاهات دون فرجة حرية تلوح له ودون فتح باب يلج منه إلى فضاءات التعبير و الحضور دون مواقف مسبقة ، فيمارس دوره التنويري بتعميم ثقافة القبول و الترحيب بالاندماج الثقافي الذي هو صلب الاندماج الاجتماعي و الذي يفضي أخيراً إلى شكل راقي من الاندماج السياسي . أما أن يجد المثقف الكردي زيفاً فيما يروج له و هو على الأرض متهم بالتصريح لا بالتلميح لمجرد أنه لا ينكر أصله ، أو يذكر بلدته فإنه لأمر سيجعله يلوي بسواعده قفصه الذي زجوه فيه ظلماً ليغرد خارج السرب ما يتعرض له ، و هنا سيتحول من دوره الريادي في التفرغ لإبداع يتحدث باسم الوطن الكبير إلى الانكفاء على نفسه ليكون لسان حال المثقف الكردي الكسير في الروح و التعبير لتعود المنافي وحدها المتنفس لهمه الذي سيحمله معه بأنه متهم و مخون في وطنه مهما أبدى وطنيته و مهما أخلص في مواطنته .

مقالي هذا ليس بهدف البوح و الفضح ، و إنما بهدف بث وجع يتجدد و مرض نرجو له مداواة حقيقية من أطباء العقل لا المحتكمين إلى تعميم و تفصيل التهم على المقاس ، بالمواطنة سلوكاً يلامس الفرد لا شعاراً تردده الألسن فحسب .

هذا من ناحية و من ناحية أخرى أنا مسؤولة من مقامي برفع صوت حريتي في النقد و إلا سنعيد تكرار ذات الشكل الاستبدادي المنعزل عن لواعج المواطن السوري أياً كان انتماؤه العرقي أو الديني ، فلا أظن في سوريا الجديدة إلا خيراً يرتجى في تنبيه المخطئ و الوقوف مع المكلوم و شد الأيادي لكل المثقفين السوريين لمصافحة ثقافية وطنية يجد المثقف الكردي فيها وجوده واجب يحمله مسؤولية بناء الإنسان الذي فقد شعوره بأتفه الحقوق الآدمية فكيف بالإبداعية . و التاريخ الحضاري و الثقافي السوري ينفح بأسماء كبيرة لأدباء و شعراء كرد كان لهم دورهم في رسم ملامح الاستقلال و بناء سوريا . غير ذلك سيظل الشرخ الذي سينتج انسلاخاً فكرياً في الألم و الأمل . ليبقى البحث عن الإنصاف أو دفع التهم الهاجس الوحيد و الذي سيجعله ينقلب إلى من يشير بذات إصبع الاتهام إلى الطرف المسؤول .

من لا يقدر أن الآخر يتكبد بلغته ليكتب له ثم يرمي به لا يدرك مدى العطاء الذي لا يشكره بأن جعل صاحب اللسان الآخر يهدي إليه كل ما يبذله ثم لا يحترمه ، والآخر من هو؟ ـ ليس إلا أخوه في ذات الحضارة العربية و الإسلامية التي ينتج لها و يسعى إلى رفدها بكل حب و غيرة حقيقة على وجهها الحضاري .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر بينما يمضي مسار الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، يغدو من الطبيعي، بل ومن الضرورة، أن يبادر قادة “قسد” بتمثيلهم العسكري والمدني، من سيبان حمو وجيا كوباني وسيامند عفرين إلى المحافظ نور الدين عيسى، بلقاء كافة قادة الفصائل والمسؤولين في الحكومة المؤقتة دون استثناء. لا ننكر جراح الماضي، فالمعارك السابقة خلفت آلاف الشهداء من…

شادي حاجي لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي. إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم…

فيصل اسماعيل لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي…

المحامي محمود عمر ليس بعيدا عن مقولة: (ان نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) هذه المقولة التي تحمل بين جنباتها بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على اعتبار إن الله قد خص كل شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن طبائع الشعوب الأخرى، كما هو الحال لدى الأفراد، حيث ينفرد كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وليس…