من مغيّبي المجلس إلى أسرى الصفقات: ملف المعتقلين في شمال سوريا بين صراع النفوذ وغياب العدالة

فيصل اسماعيل
لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع
في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي أحد أبرز أسباب استمرار ملف المغيّبين. فالتنافس على الشرعية والتمثيل السياسي تحوّل إلى صراع أمني، حيث جرى تقييد نشاط المجلس واعتقال عدد من أنصاره، في ظل غياب مسار قضائي شفاف أو جهة مستقلة قادرة على كشف مصيرهم.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى ملف آخر لا يقل تعقيدًا، وهو ملف الأسرى بين «قسد»والحكومة السورية المؤقتة والفصائل التابعة لها . هذا الملف، بخلاف قضية المغيبين، يخضع أحيانًا لمنطق “الصفقات” والتبادل غير المعلن، حيث يتم استخدام الأسرى كورقة تفاوض لتحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية، بعيدًا عن أي رقابة قانونية أو إنسانية.
يزداد المشهد تعقيدًا مع تداخل العوامل الإقليمية والدولية، حيث يرتبط كل طرف بداعمين خارجيين، ما يجعل ملف المعتقلين جزءًا من لعبة توازنات أكبر، لا يحظى فيها هذا الملف بالأولوية رغم طبيعته الإنسانية.
أما فيما يتعلق بعدم تحرك المجلس الوطني الكوردي بقوة نحو المؤسسات الدولية، فالأمر لا يعود فقط إلى التقصير، بل إلى تعقيدات قانونية وسياسية. فالتوجّه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يتطلب أدوات توثيق دقيقة، ودعمًا منظماتياً ودوليًا، وهو ما لا يتوفر دائمًا بالشكل الكافي، إضافة إلى مخاوف من التسييس أو النتائج العكسية على سلامة المعتقلين.
ورغم كل هذه التحديات، لا يزال بالإمكان تحريك هذا الملف عبر أدوات ضغط متعددة، تبدأ بالتوثيق المهني، وتفعيل الإعلام، وإشراك المنظمات الدولية، وربط أي مسار تفاوضي بحل قضية المعتقلين.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة جوهرية يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل حقيقية، وهي ضم ممثل عن أهالي الأسرى والمغيّبين إلى لجان التفاوض بين مختلف الأطراف. هذه الخطوة، إن تم تطبيقها بشكل صحيح، قادرة على نقل القضية من الهامش إلى صلب العملية السياسية.
فوجود ممثل حقيقي للأهالي لا يضيف فقط بعدًا إنسانيًا مباشرًا، بل يفرض حضور الملف داخل طاولة التفاوض، ويمنع تهميشه أو تأجيله. كما يتيح نقل المعلومات بشكل أدق، ويخلق ضغطًا أخلاقيًا وإعلاميًا على الأطراف المتفاوضة.
غير أن نجاح هذه الفكرة مشروط بعدة عوامل أساسية، أبرزها أن يكون الممثل منتخبًا من لجنة موحدة للأهالي، ويتمتع بالاستقلالية عن الأحزاب، إضافة إلى منحه صلاحيات حقيقية داخل المفاوضات، لا أن يكون مجرد حضور رمزي. كما ينبغي ربط مشاركته بتحقيق نتائج ملموسة، مثل الكشف عن مصير المغيّبين أو إطلاق سراح دفعات من المعتقلين.
كما أن دعم هذه الخطوة من قبل منظمات حقوقية دولية يمكن أن يعزّز موقع ممثل الأهالي، ويمنع تهميش دوره، ويحوّل وجوده إلى عنصر ضغط فعلي لا يمكن تجاوزه.
في المحصلة، يتوزع المعتقلون في شمال سوريا بين من يُستخدم كورقة صراع سياسي داخلي، ومن يُحتجز ضمن صفقات عسكرية بين قوى متنازعة. وبين هذا وذاك، يغيب الإنسان، وتغيب العدالة. لكن إدخال صوت الأهالي إلى طاولة التفاوض قد يكون أحد المفاتيح القليلة القادرة على كسر هذا الجمود، وإعادة القضية إلى مسارها الطبيعي كقضية حقوقية وإنسانية قبل كل شيء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي. إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم…

المحامي محمود عمر ليس بعيدا عن مقولة: (ان نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) هذه المقولة التي تحمل بين جنباتها بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على اعتبار إن الله قد خص كل شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن طبائع الشعوب الأخرى، كما هو الحال لدى الأفراد، حيث ينفرد كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وليس…

خالد حسو   ما يثير الألم العميق ليس فقط ما تتعرض له بعض الشعوب والمناطق من صراعات متكررة، بل ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون الأبرياء في كل مرة، حين تتحول بيوتهم الآمنة إلى ساحات موت، دون أن يكون لهم أي علاقة بقرارات الحرب أو السياسة. إن ما يشهده إقليم كردستان العراق من حوادث قصف وهجمات بطائرات مسيّرة من قبل…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…