عبدالجبار شاهين
في كل تجربة شمولية تتخفى خلف الشعارات الكبرى والمفردات الانسانية الرنانة، تتكرر ذات الالية القائمة على البروباغاندا المكثفة والأهازيج الحماسية المدروسة واللعب المنهجي على أوتار العاطفة لدى البسطاء، حيث يجري إستثمار الوجدان الجمعي للشعب الكردي عبر بيع الاوهام على انها احلام تاريخية مؤجلة، ويتم تسويق الشمولية الفكرية والرؤية المغلقة بوصفها خلاصاً نهائياً، بينما يجري في الواقع حشر الأتباع داخل حوض ايديولوجي مغلق راكد، لا يسمح لمن يسبح فيه برؤية ما يجري خارجه، لأن من يتحكم بتغذيته لا يضخ سوى الضجيج الايديولوجي المستمر الذي يخدر الوعي ويعزل العقل عن محيطه الحقيقي.
هذا الضجيج الذي يقدم على أنه وعي عابر للحدود، لا يعمل في جوهره سوى على مداعبة عواطف البسطاء وابقائهم في حالة نشوة فكرية زائفة، تجعلهم يعتقدون انهم جزء من مشروع تحرري واسع، بينما هم في الحقيقة محاصرون داخل بيئة مصطنعة جرى تصميمها بعناية لفصلهم عن واقعهم الاجتماعي والسياسي الطبيعي، ومنعهم من رؤية البدائل الاخرى او طرح الاسئلة التي قد تهدد استمرارية هذا المشروع.
وعند اسقاط هذا النموذج على تجربة الادارة الذاتية في روجافا كردستان، تتجسد الكارثة بصورة اكثر وضوحا وقسوة، حيث لم تكن النتيجة سوى اراقة دماء عشرات الالاف من الشباب، الذين زج بهم في معارك مفتوحة بلا افق سياسي واضح، وبلا رؤية استراتيجية تحمي الانسان قبل الارض، فيما جرى صرف ملايين الدولارات على حفر خنادق دفاعية هائلة تحت المدن والبلدات، خنادق بحجم مدن كاملة، قُدمت على انها ضمانة الصمود والبقاء، في حين ثبت لاحقا انها لم تكن سوى اوهام اسمنتية لم تصمد امام اول هجوم جدي، فتركت خلفها مهجورة، بكل ما احتوته من مختبرات ايديولوجية وكتب فلسفية وصور القائد والرايات، لتصبح جميعها تحت اقدام المهاجمين، في مشهد رمزي يلخص فشل الرؤية قبل فشل الدفاع.
والمفارقة الاكثر ايلاما ان تلك الموارد الهائلة التي استنزفت في العسكرة والخنادق والالة الامنية، لو انها وُجهت نحو بناء بنية تحتية حقيقية، من طرق ومياه وكهرباء ومدارس وجامعات حقيقية تدرّس العلم لا الفكر المؤدلج، ومصانع توفر فرص عمل، ونظام صحي ومشاف محترمة، لكانت قد صنعت واقعا مختلفا تماما، واقعا يجعل من المجتمع نفسه خط الدفاع الاول، ويحوّل السكان بكل مكوناتهم الى حماة حقيقيين لمكتسباتهم، لا مجرد جمهور متفرج او وقود جاهز للحروب.
لكن ما كان ماثلا امام اعين الناس لم يكن سوى الاحتكار والجشع، حيث تمركزت التجارة والصحة والمشافي والمواد الصيدلانية في ايدي قلة من الموالين، تحولت بسرعة الى طبقة من الاغنياء الفاحشين، تجار حروب ودماء لم يشبعهم شيء، لا المال ولا النفوذ، ولم يترددوا في دفع اي ثمن، مهما كان حجمه من الدماء او حتى خسارة الارض وبيع المستقبل، مقابل استمرار مصالحهم وسط غياب شبه كامل لرؤية سياسية او انسانية بعيدة المدى، بل وحتى قصيرة الامد.
وهنا تبرز الحقيقة القاسية التي حاول الخطاب الايديولوجي طمسها طويلا، وهي ان المجتمعات لا تخون من يبني لها الحياة، ولا تتخلى عن من يوفر لها الامن الحقيقي القائم على الكرامة والعمل والعدالة، بل تدافع عنه بكل ما تملك، اما حين يُطلب منها الدفاع عن شعارات مجردة، وخنادق جوفاء، ومشاريع مغلقة لا ترى فيها سوى العسكرة والتقديس والاحتكار، فان الانهيار يصبح مسألة وقت لا اكثر.
وفي ضوء هذه التجربة، يفرض السؤال نفسه بإلحاح لا يمكن تجاهله: هل كانت الادارة الذاتية في روجافا مشروعا لبناء مجتمع حي قادر على الاستمرار، ام مجرد مختبر ايديولوجي جرى تمويله بدماء الشباب، ثم تُرك ينهار عند اول اختبار حقيقي؟ وهل كان كل هذا النزيف ثمنا لاخطاء قابلة للتصحيح، ام نتيجة حتمية لعقلية ترى في الانسان وسيلة لا غاية، وفي الدم وقودا لا فاجعة؟ والاهم، متى يجرؤ المجتمع على مواجهة هذه الاسئلة بصدق، وكسر دائرة التقديس، والاعتراف بان طريق التحرر لا يمكن ان يمر فوق جثث ابنائه ولا عبر تدمير مقومات حياتهم باسم شعارات لم تصمد امام الواقع؟