حين يعجز الراتب عن إضاءة المنزل، تزداد ساعات العيش في الظلام.

خالد بهلوي

 

الحكومة، بوصفها المتحكم الوحيد بقطاع الطاقة، تُعدّ أشبه بتاجرٍ محتكر، تتحكم بأسعار الكهرباء وساعات تشغيلها وتوزيعها كما تشاء ولمن تشاء. وهذا يتعارض مع هدف الدولة في تقديم خدمات عامة للشعب وكسب ثقته؛ إذ ينتظر المواطن أن يرى مقابل ما يدفعه تحسنًا في ساعات تشغيل الكهرباء، لا زيادةً في أسعار الفواتير. ومع ذلك، يضطر المواطن إلى شراء الكهرباء، إذ لا يمكنه الاستغناء عنها.

لقد تجاوزت الفواتير الرواتب بأضعاف، وبأرقامٍ مخيفة قلبت حسابات آلاف العائلات، وأشغلت بال المواطنين، وشكّلت ضغوطًا نفسية تؤرق نومهم بشأن قدرتهم على تحمّل تكاليف خدمة أساسية. ومع تراجع دخل الأسرة، يتراجع معه مستوى اختيار نوعية الغذاء، حيث يتجه الناس إلى الأرخص، ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة ويؤدي إلى انتشار الأمراض نتيجة سوء التغذية.

كما يتمثل الأثر أيضًا في زيادة حالات سرقة الكهرباء تحت حجج مختلفة، وعودة الرشاوى بقوة في بعض مفاصل القطاع العام، تحت مبرر الفواتير المرتفعة وغير المبررة.

أولًا، أدى ارتفاع أسعار الكهرباء إلى زيادة الأعباء المالية على الأسر السورية. فمع محدودية الدخل وارتفاع أسعار المواد الأساسية، أصبحت فاتورة الكهرباء تشكّل جزءًا كبيرًا من مصروف الأسرة الشهري. وهذا الوضع يجبر الكثير  من العائلات على تقليل استهلاك الكهرباء إلى الحد الأدنى، أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية، حتى في وجبات الطعام اليومية، لتغطية التكاليف المتزايدة.

ثانيًا، انعكس غلاء الكهرباء على أسعار السلع والخدمات؛ فالمحال التجارية والمصانع تعتمد على الكهرباء في تشغيل معداتها، ومع ارتفاع التكلفة التشغيلية يضطر أصحاب الأعمال إلى رفع أسعار منتجاتهم لتعويض الخسائر. وفي نهاية المطاف، يتحمل المستهلك عبء هذه الزيادة، ما يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما أدى ارتفاع الأسعار إلى زيادة الاعتماد على البدائل، مثل المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة البديلة. ورغم أن هذه الحلول توفر الكهرباء، فإنها غير صحية بسبب الدخان المتصاعد من المولدات، كما أنها مكلفة بسبب أسعار الوقود أو تكاليف التركيب، مما يزيد الضغط المالي على المواطنين. وفي كثير من الأحيان، تصبح هذه البدائل عبئًا إضافيًا بدلًا    من أن تكون حلًا دائمًا.

من جهة أخرى، يؤثر غلاء الكهرباء سلبًا على النشاط الاقتصادي، إذ يدفع ارتفاع تكاليف التشغيل بعض الورش والمشاريع الصغيرة إلى تقليل ساعات العمل أو التوقف بشكل كامل، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، وتراجع فرص العمل، وزيادة معدلات البطالة، وهو ما ينعكس بدوره على الوضع الاقتصادي العام.

فالمواطن السوري اليوم لا يطلب ترفًا، بل ينتظر مقابل ما يدفعه تحسنًا ملموسًا في ساعات التغذية الكهربائية، لكن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. وعلى الصعيد الاجتماعي، يساهم ذلك في اتساع دائرة الفقر، حيث أصبح المواطن يدفع مبالغ أكبر مقابل خدمة محدودة، خاصة مع استمرار ساعات التقنين. وهذا يزيد الفارق بين الدخل والنفقات، ويضعف القدرة الشرائية، ويؤثر على الاستقرار المعيشي.

وفي الختام، يمكن القول إن غلاء أسعار الكهرباء في سوريا لا يقتصر تأثيره على فاتورة الطاقة فقط، بل يمتد ليشمل حياة المواطنين والاقتصاد ككل. فارتفاع التكاليف، وزيادة التضخم، وتراجع النشاط الاقتصادي، كلها نتائج مترابطة تجعل من أزمة الكهرباء تحديًا كبيرًا يحتاج إلى حلول مستدامة تخفف العبء عن المواطنين وتدعم عجلة الإنتاج.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…