لوند حسين*
لم تعد التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى عبدالله أوجلان مجرّد اجتهاد سياسي قابل للأخذ والرد، ولا يُمكن التعاطي مع مواقفهِ بوصفها مُجرد اجتهاد سياسي أو قراءة عقلانية لموازين القوى، كما يحاول أنصارهُ تسويقها، بل باتت تعبّر عن تحوّل عميق وخطير يمسّ جوهر القضية الكُردية، ويُثير تساؤلات جدية حول الاتجاه الذي يُراد دفع هذه القضية إليهٍ.
تعود نقطة التحوّل الأبرز إلى رسالة عيد نوروز في 21 آذار/مارس 2013، والتي أعلن فيها أوجلان نهاية مرحلة الكفاح المسلح، وقد استُقبلت تلك الرسالة حينها بوصفِها خطوة استراتيجية تهدف إلى فتح أفُق جديد للحل السياسي، يقوم على الاعتراف بالحقوق الكُردية ضمن بنية الدولة؛ مُقدّماً ذلك كمدخل لحل سياسي ديمقراطي. يومها، كان بالإمكان تفهّم هذا الطرح في إطار البحث عن تسوية تُنهي الصراع وتفتح الباب أمام الاعتراف بالحقوق الكُردية؛ غير أن ما تلا ذلك، وخاصة بعد انهيار عملية السلام التركية الكُردية 2015، أظهر أن الدولة التركية لم تُبدِ استعداداً حقيقياً لتقديم أي اعتراف بحقوق الشعب الكُردي في الجزء الكُردستاني المُلحق «المُحتل» بالدولة التُركية.
غير أنّ مسار تلك العملية لم يقتصر على التعثّر أو الإخفاق المرحلي، بل انتهى إلى انهيارٍ كامل مع سقوط ما سُمّي بـ«عملية السلام» عام 2015، في ظل غيابٍ مطبق لأيّ إرادة تركية حقيقية للاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكُردي أو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطرف الكُردي الذي ادّعى حزب العمال الكُردستاني، بقيادة عبدالله أوجلان، تمثيله؛ الأخطر من ذلك أنّ هذا الانهيار لم يُقابل بمراجعة نقدية جادة من قبل أوجلان، بل شكّل نقطة انحدار إضافية في خطابه السياسي؛ إذ تراجع سقف المطالب بصورةٍ غير مسبوقة، وانزاح من لغة الحقوق القومية إلى خطابٍ يقترب من التبرير والتكيّف مع الواقع المفروض؛ وفي هذا السياق، لم يعُد الحديث يدور حول انتزاع اعتراف دستوري بالشعب الكُردي وحقوقِهِ أو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والشعب الكُردي على أسسٍ عادلة، بل جرى القفز فوق هذه الاستحقاقات الجوهرية والإعلان في رسائلهَ (دعواتهِ) الأخيرة عن «انتهاء زمن الكفاح المُسلح» مع طرح شعارات فضفاضة تدعو إلى «الاندماج الديمقراطي» ضمن الدولة التركية، وصولاً إلى نفي وجود أي مشكلة معها. إنّ هذا التحوّل لا يمكن قراءته إلا بوصفه انحداراً سياسياً واضحاً، حيث تمّ استبدال مشروعٍ تحرري، مهما كانت إشكالياته، بخطابٍ تصالحي أحادي الجانب يفتقر إلى الحد الأدنى من التوازن أو الندية، ويُعبّر عن تنازلٍ استباقي مجاني لا يستند إلى أيّ مكاسب ملموسة على أرض الواقع.
إنّ المُتتبّع امسار حزب العمال الكُردستاني يكشف بوضوح مساراً متدرجاً من التراجعات السياسية والفكرية؛ فمن خطاب الاستقلال وتأسيس دولة كُردية ذات سيادة، والذي عكسته حتى رمزية اسم «سرخبون/الاستقلال» كصحيفة رسمية للحزب، وسُميت بذلك لكون المطلب الرئيس كان وقتها الاستقلال، وفي تلك المرحلة، لم يتردد الحزب في توجيه اتهامات قاسية إلى مجمل الحركة السياسية الكُردية في أجزاء كُردستان الأربعة، ووصمِها بالإصلاحية والعجز، بحجة مطالبِها بحل المسألة الكُردية ضمن أُطر الدول القائمة؛ غير أنّ هذا الخطاب لم يصمد طويلاً أمام تحوّلات أوجلان الفكرية، التي أخذت منحىً تجريدياً متزايداً، مُتجاوزاً الواقع السياسي الملموس؛ إذ جرى الانتقال إلى طرح مفاهيم طوباوية منفصلة عن الواقع، كفكرة «الدولة الكونفدرالية» العابرة للقوميات، قبل أن يتدحرج إلى مفهوم «الأمة الديمقراطية» الذي يُلغي الدولة القومية نظرياً، دون تقديم بديل عملي قابل للتطبيق. أما اليوم، فإنّ الخطاب يقترب بشكلٍ صريح من حالة الذوبان السياسي داخل الدولة التركية، بما يعكس انتقالاً كاملاً من موقع الصراع على الحقوق إلى موقع التسليم بالأمر الواقع، في مشهدٍ يصعب تفسيره إلا بوصفه تفريغاً تدريجياً لمضمون القضية الكُردية، يقترب من الذوبان الكامل للشعب الكُردي ضمن الدولة القومية التُركية.
أما التحوّل الذي شهده خطاب عبدالله أوجلان، من موقعٍ كان يُقدَّم بوصفه تعبيراً عن مشروع تحرري كُردي، إلى خطابٍ يدعو إلى الاندماج داخل الدولة التركية دون أيّ ضمانات سياسية أو دستورية واضحة، فلا يمكن تفسيره ضمن إطار التطور الطبيعي للأفكار أو المراجعات المرحلية، بل هو، في حقيقته، قطيعة مع جوهر المطالب الكُردية وانفصال عن الحد الأدنى من السقف السياسي الذي يفترض الدفاع عنه؛ إنّ خطورة هذا التحوّل لا تكمن فقط في مضمونٍهٍ، بل في محاولات تبريره وتسويقِهٍ بوصفٍهٍ «خياراً عقلانياً» أو «ضرورة سياسية»، ليست سوى مغالطة مفاهيمية تُراد بها شرعنة التراجع؛ إذ إنّ الواقعية، في معناها السياسي الرصين، لا تعني إطلاقاً التخلي عن الحقوق الأساسية أو إعادة تعريفها بما يتناسب مع موازين قوى مختلّة. ومن هنا، فإنّ التعامل مع هذا المسار لا ينبغي أن يكون عبر التكيّف معه أو البحث عن مسوغات له، بل من خلال موقف نقدي صريح يضعهُ في سياقهِ الحقيقي، باعتباره اتجاهاً يُهدد بتفريغ القضية الكُردية من مضمونها؛ فمستقبل أيّ قضية تحررية لا يمكن أن يُبنى على التنازل عن أسسها، ولا على إعادة تعريفها بما يُرضي خصومها، بل على تثبيت حقوقها والدفاع عنها بوضوح، بعيداً عن أيّ خطاب يُشرعن التراجع أو يُجمّلهُ؛ وعليه، فإنّ جوهر القضية الكُردية لا يزال، كما كان دائماً، قائماً على ثلاثة مرتكزات لا تقبل القفز أو الالتفاف: الاعتراف بالهوية القومية الكُردية، والضمان الدستوري للوجود السياسي الكُردي، والاعتراف بحقوق الشعب الكُردي ضمن إطارٍ قانوني مُقرر في دستور الدولة؛ وأيّ خطابٍ يتجاوز هذه الأسس أو يحاول تمييعها تحت عناوين فضفاضة، إنَّما هي خدمة مجانية لأعداء الكُرد وكُردستان وتنفيذاً لمُخططاتهم في بقاء الشعب الكُردي تحت نير الاحتلال والاستعباد.
ألمانيا: 2 نيسان 2026
* كاتب وصحفي كُردي