زكريا دادو *
إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تشهد أفول عصر “الدولة القومية” التي قيدت الجغرافيا الكوردية طوال القرن الماضي. إن العالم اليوم لا يُعاد تشكيله بناءً على خرائط الورق، بل بناءً على “المشاريع الكبرى” التي تدمج بين العقائد الدينية (الميتافيزيقا) والسيادة الرقمية.
في مركز هذا التحول، يقبع المشروع الإبراهيمي كقلب للنظام العالمي الجديد، تقوده النخب الإنجيلية والبروتستانتية، ويهدف إلى خلق وحدة “سوقية-عقائدية” عابرة للحدود، تسيطر على الممرات البحرية والبرية الكبرى.
أولاً: خارطة القوى والمحاور المتصارعة
لفهم مستقبل الكورد، يجب قراءة موازين القوى كإمبراطوريات مستعادة وليست كدول حديثة:
• المحور العثماني الجديد: يسعى لابتلاع الجغرافيا الكوردية والعربية تحت مسمى “الهوية الأناضولية الجامعة”، وهي استراتيجية احتواء ناعم تهدف لتذويب الخصوصية القومية في بوتقة إسلامية-تركية.
• المحور السلافي الأورثوذكسي: القائم على “النظرية الرابعة” لألكسندر دوغين، والذي يطرح البديل للقيم الغربية من خلال العودة للتقاليد الدينية الصارمة، مما يفتح أفقاً للكورد كقوة إقليمية إذا ما استثمروا في صراع “الشرق ضد الغرب”.
• المحور الشرقي (الصيني-الهندي-العربي): الذي يعيد بناء طريق الحرير ويستند إلى حضارات قديمة تعيد كتابة التاريخ، مما يجعل الجغرافيا الكوردية ممرًا إلزاميًا لا يمكن تجاوزه.
ثانياً: القضية الكوردية في “البعد الرابع” (السيادة الرقمية)
لم تعد الدولة تُقاس بالمساحة الكيلومترية، بل بالقدرة على التحكم في الفضاء السيبراني. إن الحل التاريخي للقضية الكوردية يمر عبر “الدولة الافتراضية الموازية”:
1. الاقتصاد البديل: تبني العملات الرقمية لكسر الحصار المالي الذي تفرضه الدول المركزية.
2. الجيش السيبراني: حماية الهوية القومية من الاختراق الثقافي وإدارة الحروب المعلوماتية كبديل للحروب التقليدية المكلفة.
3. المجتمع الرقمي الموحد: ربط أجزاء كوردستان عبر الشبكة العنكبوتية لخلق واقع قومي موحد يتجاوز الأسلاك الشائكة والحدود السياسية.
ثالثاً: استراتيجية الحل (كيف تُحل القضية الكوردية ضمن هذه المشاريع؟)
إن الحل لا يكمن في انتظار اعتراف من النظام الدولي القديم، بل في “فرض الذات” كشريك بنيوي في المشاريع الجديدة عبر المسارات التالية:
• الانخراط في “المشروع الإبراهيمي” ككتلة وظيفية: بدلاً من الرفض، يجب على الكورد تقديم أنفسهم كـ “حراس الممرات” والوسطاء الثقافيين بين الأديان في المنطقة، مما يحول الكانتونات الكوردية إلى مراكز تجارية عالمية (على غرار سنغافورة أو دبي) ضمن النظام العالمي الجديد.
• استثمار “النظرية الرابعة”: التحالف مع القوى التي تؤمن بـ “تعدد الأقطاب” (روسيا والصين) لانتزاع اعتراف بكيان ثقافي-سياسي يحمي التقاليد الكوردية من الذوبان في العولمة الغربية.
• الهوية المرنة (الأناضول الكبرى): التعامل مع الطرح التركي بحذر، ومحاولة تحويله من “مشروع تذويب” إلى “مشروع شراكة” تكون فيه كوردستان الشريك الأصيل في هوية الأناضول، وليس مجرد تابع إداري.
النبوءة والواقع :
إننا نتجه نحو عالم “الكانتونات المجبورة على التعايش”، حيث ستختفي الحدود السياسية التقليدية لصالح مراكز القوى التكنولوجية والدينية. القضية الكوردية لن تُحل بـ “الاستقلال الكلاسيكي” بل بـ “السيادة النوعية”؛ أي بالسيطرة على التكنولوجيا، الاقتصاد الرقمي، والتموضع كقوة توازن بين المحاور الإمبراطورية المتصارعة.
إن النظام العالمي الجديد هو نظام “البقاء للأذكى رقمياً” و”الأعمق تاريخياً”، والكورد يمتلكون الميزتين إذا أحسنوا فك شفرة المشاريع القادمة.
*كاتب و باحث تاريخي ..