حسن قاسم
لو بدأنا بسؤال من هو ضد النظام الديمقراطي؟ لوجدنا ان الجواب لا يقتصر فقط على الأنظمة التي تعلن عداءها الصريح للديمقراطية، بل يشمل أيضاً القوى التي تفرغها من مضمونها، عبر احتكار السلطة أو التحكم بمخرجاتها. فالنظام الذي يعادي الديمقراطية هو، في جوهره، نظام يرفض مبدأ المشاركة الحقيقية، ويخشى الرقابة والمساءلة، حتى وإن تبنّى شكلاً ديمقراطياً في الظاهر.
تُوصف هذه الأنظمة عادة بالسلطوية، حيث تُدار الدولة وفق إرادة ضيقة، وتُقيد الحريات، ويُهمش دور المجتمع. وقد تتخذ هذه الأنظمة أشكالاً مختلفة، من الحكم العسكري إلى الأنظمة الحزبية المغلقة، أو حتى “الديمقراطيات الشكلية” التي تُستخدم فيها الانتخابات كأداة لإضفاء الشرعية دون تغيير حقيقي في بنية السلطة.
في المقابل، لا تخلو الديمقراطية من التحديات، مثل الفوضى السياسية أو صعود الخطاب الشعبوي، لكن هذه الإشكاليات تبقى ضمن إطار قابل للإصلاح. فالديمقراطية تملك أدوات تصحيح ذاتي، تتيح للمجتمع إعادة التوازن دون اللجوء إلى العنف أو الانهيار.
ولعل التجربة السورية بعد وصول أحمد الشرع إلى السلطة تقدم مثالاً مهماً يمكن قراءته ضمن هذا السياق. فمع التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، طُرحت شعارات الإصلاح والانفتاح، وترافق ذلك مع خطاب يوحي بالانتقال نحو نموذج أكثر تمثيلاً. غير أن التحدي الأساسي لم يكن في إعلان النوايا، بل في ترجمتها إلى واقع مؤسساتي يضمن المشاركة والتعددية.
في الحالة السورية، برزت إشكالية مركزية تتعلق بمدى قدرة السلطة الجديدة على الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء انتخابات أو إصدار بيانات إصلاحية، بل بمدى استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وضمان حقوق المكونات المختلفة، بما فيها القوميات والأقليات الدينية.
كما أن التجربة كشفت عن معضلة شائعة في الأنظمة الانتقالية، وهي استخدام مفهوم “الاستقرار” كمبرر لتأجيل الإصلاحات العميقة. وهنا تحديداً يظهر التناقض: فالديمقراطية تُقدَّم أحياناً كخطر على الاستقرار، بينما الواقع يُظهر أن غيابها هو ما يُنتج أزمات مستدامة.
وبالمقارنة، نجد أن دولاً مثل الولايات المتحدة وألمانيا والهند استطاعت، رغم التحديات، بناء نماذج ديمقراطية قائمة على تداول السلطة واحترام المؤسسات، وهو ما يبرز الفارق بين الديمقراطية كقيمة، واستخدامها كشعار.
في الخلاصة، تكشف الحالة السورية أن الصراع ليس فقط بين الديمقراطية وخصومها، بل بين مفهومين للحكم: حكم يقوم على المشاركة والتوازن، وآخر يقوم على الهيمنة والإقصاء. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الدول واستقرارها الحقيقي.