خوشناف سليمان
ما يجري اليوم في سماء كردستان هو شكل جديد من الحرب يدار خارج القواعد التي عرفت بها الصراعات في المنطقة. الطائرات المسيّرة التي تنطلق من مجموعات مسلحة مرتبطة بالمحور الإيراني لا تعمل بوصفها رد فعل لحادثة محددة. بل كأداة ضغط دائمة. كأن السماء نفسها تحولت إلى جبهة مفتوحة ضد إقليمٍ لم يعلن حربًا على أحد.
هذا النوع من الهجمات يكشف تحوّلًا خطيرًا في طبيعة القوة داخل العراق. فالدولة التي يفترض أن تحتكر قرار الحرب والسلم تقف متفرجة. بينما تتحرك تشكيلات مسلحة تابعة للحشد المرتبط بإيران كأنها سلطة عسكرية موازية. تقرر متى تطلق المسيّرات وأين تسقط. حين تصل الأمور إلى هذه النقطة. يصبح السؤال بسيطًا لكنه قاسٍ.. هل ما يحدث اعتداء تقوم به جماعات خارجة عن سيطرة الدولة، أم أنه حرب تُدار باسم الدولة دون أن تعلنها رسميًا؟
الخطورة لا تكمن في المسيّرات نفسها. بل في الرسالة التي تحملها. فهذه الهجمات تعني أن الحدود العراقية لم تعد خطًا سياديًا واضحًا. وأن القرار العسكري يمكن أن يصدر من مراكز نفوذ عابرة للدولة. مرتبطة باستراتيجيات إقليمية لا علاقة لها بمصالح العراق ولا باستقرار المنطقة.
لكن فهم ما يحدث اليوم يظل ناقصًا إذا جرى التعامل معه كحادثة منفصلة عن تاريخ طويل من العداء للكرد. فالهجوم على كردستان لم يبدأ بالمسيّرات. بل بدأ قبل عقود بعقيدة سياسية راسخة لدى أنظمة وقوى عديدة في المنطقة. عقيدة ترى في الوجود الكردي خللًا يجب تصحيحه بالقوة.
من هذه العقيدة خرجت حملات الإبادة الجماعية التي عرفها العالم باسم الأنفال. ومن هذه الذهنية نفسها خرجت الأسلحة الكيماوية التي أُطلقت على المدن الكردية. ومن المنبع ذاته جاءت سياسات إحراق القرى وتهجير سكانها، وإعادة رسم الخريطة السكانية عبر مشاريع التعريب والتغيير الديمغرافي.
لم يكن الهدف يومًا مجرد إخضاع تمرد سياسي. بل إعادة صياغة الجغرافيا البشرية نفسها بحيث تختفي كردستان كحقيقة حية.
ومع ذلك فشل المشروع.
أكثر من أربعة آلاف قرية أُزيلت من الوجود. ومدن كاملة تحولت إلى مقابر مفتوحة. وملايين الكرد اضطروا إلى الهجرة أو النزوح. ومع كل ذلك لم تختفِ كردستان. لم تتحول إلى أرض خالية كما خُطط لها. ما حدث كان العكس تمامًا.. كل محاولة لإلغائها كانت تدفعها إلى إعادة تشكيل نفسها من جديد.
هذه الحقيقة هي التي تفسر استمرار الاستهداف حتى اليوم. فالقضية لم تعد مجرد صراع على السلطة أو النفوذ. بل صراع مع واقع لم تستطع القوى المعادية للكرد تقبّله.. شعب بقي حيًا رغم كل ما جرى.
لهذا تظهر المسيّرات الآن كامتداد تقني لذلك التاريخ الدموي. السلاح تغير. لكن الذهنية لم تتغير. بدل حملات الأنفال العسكرية. تأتي الضربات الجوية المحدودة. وبدل الجيوش النظامية. تتحرك الميليشيات. غير أن الهدف يظل واحدًا.. إبقاء كردستان تحت ضغط دائم ومنعها من التحول إلى مساحة استقرار أو نموذج سياسي مختلف.
هنا تحديدًا يظهر الخطر الأكبر على العراق نفسه. فحين تتحول الميليشيات إلى قوة عسكرية مستقلة قادرة على خوض الحروب خارج قرار الدولة. فإن مفهوم السيادة يصبح مجرد كلمة فارغة. الدولة التي لا تملك قرار الحرب على أرضها تفقد تدريجيًا معنى وجودها السياسي.
لهذا فإن استمرار الهجمات على إقليم كردستان لا يمكن التعامل معه كمسألة داخلية هامشية. إنه اختبار مباشر لقدرة العراق على أن يكون دولة فعلًا. لا ساحة مفتوحة لصراعات المحاور.
ورغم كل ذلك. فإن قراءة تاريخ الصراع مع الكرد تكشف حقيقة ثابتة.. كل مشروع بُني على فكرة إلغاء هذا الشعب انتهى بالفشل.
الأنظمة التي أحرقت القرى سقطت.
السلطات التي استخدمت الغاز السام انتهت.
والخرائط التي حاولت محو الوجود الكردي بقيت مجرد وثائق في أرشيف الأنظمة المهزومة.
أما كردستان فبقيت.
بقيت لأن قوة هذا الشعب لم تكن يومًا في الجيوش الثقيلة ولا في الصواريخ بعيدة المدى. بل في قدرة نادرة على تحويل الكارثة إلى بداية جديدة. هذه القدرة هي ما يجعل كل محاولة لإخضاعه تدخل في النهاية في المسار نفسه.. ضجيج كبير ينتهي إلى فشل آخر.
المسيّرات قد تُقلق سماء كردستان لبعض الوقت. لكنها لن تغيّر الحقيقة الأعمق في هذه المنطقة..
كل الذين حاولوا كسر هذا الشعب اكتشفوا في النهاية أنهم كانوا يطرقون صخرة.