كوردستان سوريا 2026 مخاض الهوية وصراع الإرادات

عبدالباقي اليوسف 

 

الحلقة الأولى: الخندق والطاولة.. بين مطرقة المناورة العسكرية وسندان الشرعية الدولية

لقد وجدتُ لزاماً عليّ العودة إلى الكتابة في هذا الملف الشائك، إدراكاً مني بأن القضية الكوردية في سوريا تجتاز اليوم مخاضاً تاريخياً لا يشبه ما قبله؛ حيث تعقّدت التحالفات وتصاعدت المخاطر الوجودية في آن واحد. ففي الوقت الذي كان فيه الأفق يشي بتبدلات جوهرية في بنية الدولة السورية وحقوق مكوناتها، وبدور محوري للشعب الكوردي في هندسة التحول الديمقراطي المنشود، برزت في عام 2025 تحالفات إقليمية محمومة استهدفت شطب هذا الدور ومحوه من الخارطة السياسية.

ولم تكن “اتفاقية باريس” في السادس من يناير الماضي إلا تتويجاً بائساً لتلك المحاولات الرامية لحصر الحقوق الكوردية في دائرة “الصدقات الثقافية”، التي يمنحها الحاكم كمكرمة عابرة كلما ضاقت به السبل. ورغم فجاجة تلك المؤامرة وما خلّفته من آلام، إلا أنها أخفقت في كسر إرادة شعبنا أو تدجين طموحه. إن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تكشف بوضوح عن “مناورة خبيثة” تتقاطع فيها مصالح دمشق وأنقرة، مما يفرض على الحركة الوطنية الكوردية التسلح بوعي استراتيجي يتجاوز مرارات الإحباط السياسي أو انفعالات المواجهة العسكرية، وصولاً إلى بناء تخطيط دبلوماسي صلب، يستمد قوته من شرعية الحق وعدالة الميدان.

لقد كشف عام 2026 عن الوجه الأبشع للقمع؛ فبعد عجز دمشق عن استعادة السيطرة بالقوة، انزلق النظام -بتحريض تركي- نحو مقايضة السيادة بصفقات مريبة، تجلت في التنازل لإسرائيل برعاية أمريكية وتركية ومباركة فرنسية، مستغلاً هذا المناخ للانقضاض على قوات “قسد” وتصفية الوجود الكوردي عبر سياسة التهجير القسري. ورغم الانتهاك الصارخ لاتفاقيتي “العاشر من آذار” و”الأول من نيسان” المبرمتين مع القيادة المؤقتة بضمانات دولية، وما تلاهما من هجوم غادر على حيي الأشرفية والشيخ مقصود وصولاً إلى شرق الفرات، إلا أن تمركز “قسد” في حاضنتها الشعبية -وهي الخطوة الاستراتيجية المنتظرة- والتحام الجماهير بقواها الدفاعية في انتفاضة شاملة بالداخل والمهجر، قد أعادا صياغة مواقف القوى الدولية. هذا الحراك التاريخي لم يكتفِ بلجم الزحف العسكري، بل وفر غطاءً سياسياً لتحركات برلمانية أوروبية ودفع بالكونغرس الأمريكي نحو قانون “حماية الكورد” بقيادة السيناتور ليندسي غراهام. إننا اليوم بصدد مرحلة يقينية تؤكد أن الحقوق في ظل الأنظمة الغادرة لا تُنتزع إلا بقوة الميدان وعدالة القضية، بعيداً عن أوهام “الاحتواء الناعم” والعروض التجميلية التي تسوقها دمشق لاستعادة هيمنتها المركزية البائدة.

 تتجلى مناورة دمشق الحالية في ثلاثة محاور: الأول هو محاولة تفكيك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحت مسمى “الدمج”، وهو في الحقيقة محاولة لتحويلها إلى مجرد ألوية تابعة لمركز القرار الأمني بدمشق، ما يعني تجريد الكورد من “مخالبهم” الدفاعية. أما المحور الثاني، فهو محاولة تسويق قانون الإدارة المحلية رقم 107 كبديل للإدارة الذاتية، وهو قانون يمنح “لامركزية خدمية” شكلية، بينما يظل القرار السيادي والأمني والسياسي محبوساً في أروقة المركز، ما يفرغ المشروع الديمقراطي الكوردي من مضمونه السياسي القومي. المحور الثالث، فهو يستهدف إلى تفتيت وحدة الصف الكوردي والتي تجلت في كونفرانس قامشلو تحت عنوان “المؤتمر الوطني لإنقاذ المسار الديمقراطي”، وتهميش الوثيقة التي صدرت عنه.

ميونيخ 2026: كسر العزلة واعتراف “الشركاء الفاعلين”

بالمقابل، برز فشل الدبلوماسية التركية في تهميش الحضور الكوردي في “مؤتمر ميونيخ للأمن 2026” كتحول استراتيجي عميق في موازين القوى الدولية. لقد أخفقت أنقرة، رغم ضجيجها الدبلوماسي، في تسويق سردية “الإرهاب” ضد الشعب الكوردي أمام القوى العظمى؛ إذ بات العالم ينظر اليوم إلى الكورد كـ “حماة للاستقرار العالمي” وشريك شرعي في هندسة الأمن الإقليمي، مستلهمين نموذج إقليم كوردستان العراق كركيزة للتوازن. إن الجلوس الكوردي في ميونيخ جنباً إلى جنب مع وفد الخارجية السورية لم يكن بروتوكولاً عابراً، بل هو اعتراف ضمني بأن حل المعضلة السورية لم يعد يمر حصراً عبر بوابة الإقصاء التركي أو عقلية الاستبداد المركزي بدمشق، بل عبر “طاولة مستديرة” تضم كافة الشركاء والقوى الفاعلة التي صمدت في وجه العاصفة.

ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي لأنقرة يعلمنا أن الانكسار الدبلوماسي يتبعه عادةً “هياج عسكري”؛ فمن المتوقع أن تعمد تركيا إلى تحريك فصائلها الموالية لفتح جبهات استنزاف ميدانية، بالتوازي مع محاولات تخريب الموقف الكوردي الموحد من الداخل عبر أساليبها الأمنية المعهودة ووعودها الكاذبة. لذا، فإن مقتضيات المراجعة الاستراتيجية تفرض علينا عدم الركون إلى نشوة “انتصار ميونيخ”، بل تحويله إلى منصة لانتزاع اعترافات “قانونية” صلبة من البرلمانات الأوروبية والكونغرس الأمريكي. إن الحراك الذي يقوده السيناتور ليندسي غراهام للدفع نحو قوانين تحمي الكورد وتعاقب القوى المعادية لهم، يمثل فرصة تاريخية يجب اقتناصها عبر تفعيل “الدبلوماسية الشعبية” وتكثيف نشاطات “الدياسبورا الكوردية” في الخارج، لتكون الظهير السياسي الذي يحمي مكتسبات الميدان ويقطع الطريق على مناورات الاحتواء.

أثبتت مسيرة الحركة الوطنية الكوردية منذ انطلاقتها عام 1957، أن النضال الديمقراطي السلمي -رغم دوره الجوهري في صياغة النهضة القومية وبلورة الوعي بالذات- يظل قاصراً عن انتزاع الاعتراف السياسي في مواجهة الأنظمة المستبدة ما لم يرتكز على “قوة صلبة” تحميه. فالنضال السلمي هو لغة الحوار في النظم الديمقراطية، وهو ما يفتقده الواقع السوري الذي لا يؤمن إلا بمنطق القوة؛ لذا فإن الرسالة الموجهة للشعب الكوردي وقواه السياسية اليوم لا تقبل التأويل: الحقوق القومية لا تُمنح عبر “مراسيم ورقية” (كالمرسوم رقم 13) الذي أُصدر لامتصاص الضغوط الخارجية، بل تُنتزع عبر فرض توازن قوى حقيقي على الأرض.

هذا الواقع يفرض ضرورة الالتفاف المصيري حول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كدرع وجودي، لكنه يفرض في المقابل استحقاقاً موازياً على القوى السياسية التي تدير هذا المشروع؛ إذ يتوجب عليها إجراء مراجعة شجاعة لسياساتها السابقة، والاقتراب أكثر من النبض القومي للشعب الكوردي في “كوردستان الغربية”. لقد أُهدرت فرص تاريخية كبرى عقب رحيل نظام الأسد، لأن الإدارة السياسية حينها بقيت رهينة لالتزامات أيديولوجية عابرة للحدود وضغوط إقليمية كبّلت حركتها، مما أفقدها القدرة على اقتناص اللحظة السانحة بما تتطلبه الخصوصية الكوردية السورية، والمكونات التي تتاشرك معها. إن استعادة ثقة الشارع ومساندة الجميع تتطلب اليوم تغليب المصلحة القومية العليا، والتحرر من القيود التي منعت المشروع من التحول إلى مظلة وطنية كوردية شاملة قادرة على انتزاع الحقوق لا استجدائها.

إن المخرج الوحيد من نفق الأزمة الراهنة يكمن في البناء على مكتسبات “المرسوم 13” واتفاقية “29 يناير” لهذا العام، للانتقال الجذري من عقلية “السيادة الإقصائية” التي تتشبث بها دمشق، إلى نموذج “السيادة الاتحادية الطوعية”. هذا التحول التاريخي يرتكز على ثوابت وطنية وقومية لا تقبل المساومة:

مأسسة (قسد) كجيش إقليمي دفاعي: الإصرار على نموذج مؤسساتي يحاكي “البيشمركة” أو “الحرس الوطني” في الأنظمة الفيدرالية المستقرة، مع ضرورة فتح الطريق أمام “بيشمركة روز” لتأخذ مكانها الطبيعي ضمن هذه القوى. الهدف هو ترسيخ قوة دفاعية نابعة من أبناء المنطقة، تكون علاقتها بالمركز “تنسيقية” قائمة على الشراكة، لا “تبعية” تعيد إنتاج الهيمنة الأمنية.

اللامركزية السياسية والتشريعية والمالية: المطالبة ببرلمان محلي وقوانين تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية. إن طرح هذا النموذج كحل وطني لكل الأقاليم السورية، وليس للكورد وحدهم، هو ما يحول القضية الكوردية من “مطلب فئوي” إلى “مشروع إنقاذ وطني” يواجه المركزية الاستبدادية ويضمن وحدة البلاد وتنوعها.

وحدة الصف الكوردي والمرجعية المشتركة: يجب على كافة القوى المنضوية تحت سقف “كونفرانس قامشلو” (26 نيسان 2025) تجاوز الخلافات البينية، والمشاركة في المفاوضات ككتلة موحدة تمثل طيف الشعب الكوردي دون احتكار على طرف بعينه، لقطع الطريق على مناورات شق الصف التي تراهن عليها القوى المعادية.

إن الشرق الأوسط سيبقى رهين الفوضى والمخاض الأليم ما لم تتحول أنظمته من ذهنية “إلغاء الآخر” إلى رحاب “الدولة الوطنية الديمقراطية”. وبالنسبة لكورد سوريا، تظل القاعدة الذهبية ثابتة: “لا عودة إلى ما قبل 2011”. إن أي اتفاق لا يضمن الاعتراف الدستوري بهوية الشعب الكوردي وحقه في إدارة نفسه، لن يعدو كونه هدنة مؤقتة أو تأجيلاً لصراع قادم لا محالة. إن أمن كوردستان سوريا اليوم هو ركيزة للأمن العالمي، واستقرارها هو السد المنيع ضد عودة التطرف؛ وهذه هي الورقة الرابحة التي يجب أن تظل حاضرة بقوة على طاولة أي حوار سياسي مستقبلي.

في الحلقة القادمة، سنكشف كيف تحول عيد نوروز في القصر الجمهوري إلى أداة لضرب التمثيل المؤسساتي الكوردي.

31 /3 / 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الشيخ أمين كلين ياسادة الافاضل : سؤال يطرح نفسه علينا ، سقط نظام الطغاة الاسدي منذ سنة وعدة أشهر ، ولازلنا مزهولون ، كأننا لم نصدق ماحدث لشدة الارهاب الذي كان مفروض علينا : كيف تصرف أصحاب الاراضي التي صودرت باسم الحزام العربي وطوبت للمغمورين الذين جيء بهم من الرقة ؟ ماذا ينتظرون ؟ هل ينتظرون الفرج بدون اي نشاط…

خوشناف سليمان   تُظهر التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية الجارية أنها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت عاملاً حاسماً في تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، حيث تتجلى آثارها بوضوح في الأسواق الدولية. ورغم غموض وتقلب الأحداث الميدانية، تكشف ردود فعل الأسواق المالية، ولا سيما أسواق الطاقة، عن حجم القلق الذي يخيّم على الاقتصاد العالمي. فقد تجاوزت أسعار النفط حاجز مئة دولار…

المهندس باسل قس نصر الله انتقل أبو الطيب المتنبي إلى مصر في زمن كافور الإخشيدي، مدفوعاّ بأحلامٍ واسعة، ظنّ فيها أن “الأستاذ” – كان كافور يحب أن يلقبونه به – سيمنحه ولايةً أو يفتح له باب مجدٍ طال انتظاره. لكن حين أدرك الحقيقة، وأن لا ولاية ولا كرامة تُمنح، لم ينتظر طويلاُ. اختار اللحظة الأكثر رمزية: صباح عيد، ليهرب تاركاُ…

نورالدين عمر تمثل رؤية السيد أوجلان مقاربة واقعية للحل؛ فهي ترتكز على معالجة القضية الكردية عبر القنوات السياسية، والوسائل السلمية، والنضال الجماهيري، بعيداً عن لغة السلاح. تقوم هذه الرؤية على معادلة واضحة: الاعتراف بالجمهورية وإطارها السياسي مقابل اعتراف الدولة بالحقوق الثقافية والسياسية المشروعة للكرد. أما من يرى في هذا الطرح نقصاً أو تراجعاً، فالميدان متاح لمن يملك القدرة على…