هجار أمين
في الرابع عشر من نيسان/أبريل 2022، أُعلن في بلدة تل تمر عن تشكيل لجنة التنسيق والتشاور للأحزاب القومية للشعب السرياني الآشوري في سوريا، بمشاركة المنظمة الآثورية الديمقراطية، وحزب الاتحاد السرياني، والحزب الآشوري الديمقراطي. يومها وُصفت الخطوة بأنها “تاريخية”، ليس فقط لأنها جمعت أطرافاً أنهكتها الخلافات السياسية والتنظيمية، بل لأنها حملت وعداً بتوحيد الخطاب القومي، وتشكيل مظلة سياسية جامعة تمهد لتمثيل أكثر فاعلية في أي مسار دستوري سوري قادم.
بعد أقل من أربع سنوات، يبدو المشهد مختلفاً، لا احتفال مشترك بعيد أكيتو، ولا نشاطات موحدة، بل عودة إلى الفعاليات المنفصلة والخطابات المتوازية. فهل كان الاتفاق مجرد لحظة عاطفية؟ أم تسوية آنية فرضتها ظروف المرحلة؟ أم أن الأزمة أعمق من لجنة تنسيق وأوسع من خلاف تنظيمي؟
لفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى سياق 2022. كان المشهد في شمال شرق سوريا يتسم بتعقيدات متشابكة:
-إدارة ذاتية تقودها قوى كردية ضمن إطار سياسي–عسكري واضح.
-حضور حكومي سوري قائم في بعض المربعات الأمنية.
-ضغط تركي عسكري وأمني على مناطق سهل الخابور وتل تمر.
-مسار دستوري سوري غامض، لكنه مطروح على الطاولة الدولية.
في هذا المناخ، أدركت الأحزاب السريانية الآشورية الثلاثة أن تشتتها يضعف قدرتها التفاوضية، سواء تجاه الإدارة الذاتية أو دمشق أو حتى القوى الدولية الفاعلة. فجاءت اللجنة كاستجابة عقلانية لحاجة سياسية، توحيد الموقف في ملفات الاعتراف الدستوري، والحقوق الثقافية، والتمثيل الإداري، واعتماد اللغة السريانية، وضمان حضور فعلي في مؤسسات الحكم المحلي.
بعبارة أخرى، لم يكن الاتفاق ترفاً سياسياً، بل ضرورة مرحلية.
لكن الضرورات لا تلغي الفوارق البنيوية، فالاختلاف بين هذه الأحزاب لم يكن تقنياً فقط، بل يتعلق بمرجعيات وتحالفات ورؤى، ولكن هذه الفوارق انعكست على قضايا حساسة، مفهوم اللامركزية، العلاقة مع دمشق، حدود الشراكة مع القوى الكردية، شكل التمثيل العسكري، وحتى تعريف الهوية (سرياني/آشوري/كلداني) ضمن خطاب جامع، اللجنة استطاعت تأجيل هذه الأسئلة، لكنها لم تحسمها.
ولكن نجحت اللجنة في خلق مناخ إيجابي أولي، خاصة في المناسبات القومية كعيد أكيتو. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن في الاحتفال المشترك، بل في بناء آلية مؤسساتية دائمة لاتخاذ القرار.
أي اتفاق سياسي يحتاج إلى:
نظام داخلي واضح، آلية فض نزاعات، برنامج مرحلي ملزم، شفافية تجاه القواعد الشعبية.
المعلومات المتاحة تشير إلى أن اللجنة بقيت إطاراً تنسيقياً عاماً أكثر من كونها مؤسسة ذات صلاحيات تنفيذية واضحة، ومع أول احتكاك سياسي جدي – سواء في ملفات التمثيل أو العلاقة مع الإدارة الذاتية أو الاستحقاقات المحلية – عادت التباينات إلى الواجهة.
هل هي “لعنة” أم واقع سياسي؟
الحديث عن “لعنة” أو “عين” يعكس مرارة شعب أنهكته الهجرة والحروب والتهميش، لكن السياسة لا تُفسر بالغيبيات، بل بالبنى والوقائع.
الشعب السرياني الآشوري في سوريا يواجه تحديات موضوعية، تراجع ديمغرافي كبير منذ 2011، خاصة بعد أحداث سهل الخابور عام 2015، هجرة شبابية مستمرة، انقسام جغرافي بين مناطق نفوذ متعددة، محدودية الثقل العددي مقارنة بمكونات أخرى، في ظل هذه المعطيات، يصبح أي انقسام سياسي مضاعِفاً للأثر، لأن الكتلة أصلاً صغيرة.
المفارقة أن السريان كانوا يُضرب بهم المثل في تنظيم الاحتفالات المشتركة، وفي قدرة الكنائس والمؤسسات الاجتماعية على تجاوز الخلافات، لكن السياسة تختلف عن العمل الأهلي، ففي السياسة، تتقاطع المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية، ويصبح القرار مرتبطاً بحسابات تتجاوز الإطار القومي الضيق.
المقارنة مع القوى الكوردية – التي لم تتمكن حتى اليوم من إقامة نوروز موحد بين أقطابها – تضيء جانباً مهماً، الانقسام ليس استثناءً سريانياً، بل سمة عامة في المشهد السوري.
غير أن الفارق أن الكتلة الكوردية تملك ثقلاً ديمغرافياً وعسكرياً يجعل انقسامها أقل تهديداً لوجودها، بينما أي انقسام سرياني ينعكس مباشرة على التمثيل والحقوق.
انهيار الاحتفال المشترك بآكيتو ليس مجرد تفصيل رمزي، بل مؤشر على تراجع الثقة، لكنه لا يعني استحالة إعادة البناء.
ثمة ثلاثة مسارات ممكنة، وهي: إعادة إحياء اللجنة بصيغة مؤسساتية واضحة، مع جدول أعمال محدد وملزم، الانتقال إلى مظلة أوسع تضم أحزاباً وشخصيات مستقلة ومرجعيات كنسية، بما يمنحها ثقلاً اجتماعياً، القبول بالتعددية المنظمة: أي الاعتراف بأن الوحدة الكاملة غير ممكنة حالياً، لكن يمكن الاتفاق على حد أدنى من التنسيق في القضايا المصيرية (الدستور، التمثيل، التعليم، اللغة).
ما جرى ليس لعنة، ولا قدراً جغرافياً، بل نتيجة طبيعية لتعقيدات السياسة في بلد لم يستقر بعد على صيغة نهائية لدولته، الاتفاق كان لحظة ضرورة، وربما لم يُدعم بما يكفي ليصمد أمام أول اختبار جدي.
يبقى السؤال الحقيقي أمام النخب السريانية الآشورية،
هل يُراد للجنة التنسيق أن تكون ذكرى جميلة في أرشيف البيانات السياسية؟
أم أن التحديات الوجودية – الديمغرافية والسياسية والثقافية – أكبر من أن تُترك رهينة الخلافات؟
مع اقتراب الأول من نيسان، عيد أكيتو، قد لا يكون الأهم أين تُقام الاحتفالات، بل ما إذا كانت الرسالة السياسية ستبقى واحدة، أن شعباً ضارباً في عمق التاريخ، يستحق مستقبلاً لا تحدده الانقسامات بل تحسمه الشراكة والواقعية السياسية.
آكيتو بريخو لجميع الحورونة في سوريا والعالم.