حوران حم
في كوردستان، لا تبدأ الحكاية من صوت القذائف، ولا تنتهي عند دخانها.
هناك، حيث ترتفع الجبال كأنها صلاةٌ متجذّرة في الأرض، يتشكّل وعيٌ مختلف، وذاكرةٌ لا تُشبه سواها. الجبال ليست مجرد جغرافيا، بل هي مدرسةٌ في الصبر، ومعجمٌ حيّ لمعاني الكرامة. ومن يتأمل هذا الامتداد الصخري، يدرك أن شعبًا نشأ في حضن هذه القمم، لا يمكن أن يكون عابرًا في التاريخ، ولا قابلًا للانكسار.
لكن ما يميّز شعب كوردستان ليس فقط صلابته، بل تلك المفارقة العميقة التي يحملها في داخله: شعبٌ تعلّم القتال، لكنه لم يقع في غواية الحرب؛ شعبٌ يعرف معنى السلاح، لكنه يفضّل لغة الحياة.
هذه المفارقة ليست ضعفًا كما قد يظن البعض، بل هي خلاصة تجربة طويلة من الألم، والنجاة، وإعادة تعريف الذات.
على امتداد العقود، واجه الكورد محاولات متكررة لكسر إرادتهم، من حملات عسكرية إلى سياسات تهميش وإقصاء، وصولًا إلى هجماتٍ متجددة تطال أرضهم بين حينٍ وآخر.
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، لم يتحول هذا الشعب إلى كيانٍ انتقامي، ولم يُنتج خطابًا قائمًا على الكراهية، بل ظل متمسكًا بخيارٍ أصعب: خيار السلام.
السلام هنا ليس شعارًا سياسيًا للاستهلاك، بل هو قناعة وجودية.
فالشعب الذي ذاق ويلات الحروب، لا يحتاج إلى من يُقنعه بعبثيتها.
والأرض التي ارتوت بما يكفي من الدم، لا تبحث عن مزيدٍ منه.
لهذا، حين نتحدث عن كوردستان اليوم، فإننا لا نتحدث فقط عن جغرافيا تتعرض للتهديد، بل عن تجربة سياسية واجتماعية تحاول أن تثبت أن الاستقرار ممكن، حتى في أكثر البيئات تعقيدًا.
ورغم التحديات، استطاعت مؤسسات الإقليم أن ترسّخ نموذجًا نسبيًا للأمن، وأن تحافظ على مساحةٍ من الحياة الطبيعية في محيطٍ يعج بالاضطرابات.
إن إصرار حكومة إقليم كوردستان على التمسك بخيار التهدئة، والسعي إلى بناء علاقات متوازنة مع الجوار، لا يأتي من موقع الضعف، بل من فهم عميق لطبيعة الصراعات في المنطقة.
فالدول لا تُبنى بالانفعالات، بل بالتراكم، ولا تستقر بالتصعيد، بل بالحكمة.
وفي مقابل ذلك، تتكرر محاولات جرّ كوردستان إلى مربع الصراع، سواء عبر الضغوط السياسية أو التهديدات الأمنية أو الهجمات التي تستهدف مناطقها.
وغالبًا ما تُبرر هذه الأفعال بذرائع متعددة، لكنها في جوهرها تعكس عقليةً لم تتصالح بعد مع فكرة وجود كيانٍ مستقر في هذه البقعة من العالم.
ومع كل تصعيد، يعود السؤال ذاته: لماذا لا تنكسر كوردستان؟
والجواب، ربما، يكمن في تلك العلاقة الخاصة بين الإنسان والمكان.
فالذي يعيش بين الجبال، يتعلم منها الثبات.
والذي يواجه الرياح يوميًا، لا يخشى العواصف.
لكن الأهم من ذلك، أن الكوردي لا يرى في نفسه مجرد مقاتل، بل إنسانًا يسعى إلى حياةٍ طبيعية: مدرسة لأطفاله، ومستشفى لمرضاه، وشارعٍ آمن يسير فيه دون خوف.
هذه التفاصيل البسيطة، التي قد تبدو عادية في أماكن أخرى، هي في كوردستان إنجازٌ بحد ذاته، وسببٌ كافٍ للتمسك بالاستقرار كخيارٍ لا بديل عنه.
إن من يراقب المشهد عن كثب، يدرك أن كوردستان لا تعيش حالة إنكار للواقع، بل تتعامل معه بواقعيةٍ عالية.
فهي تعرف حجم التحديات، وتدرك تعقيدات الإقليم، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تكون مجرد ساحةٍ لتصفية الحسابات.
وهذا الرفض لا يُترجم بالشعارات، بل بالممارسة اليومية: في ضبط النفس، في تجنب التصعيد، وفي الإصرار على أن تكون السياسة هي الطريق، لا السلاح.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار السلمي لا يعني القبول بالاعتداء أو التنازل عن الحقوق.
فكوردستان، التي اختارت السلام، لم تتخلَّ عن كرامتها.
والشعب الذي يمدّ يده للحوار، لا يعني أنه عاجز عن الدفاع عن نفسه.
هنا تتجلى المعادلة الأصعب:
أن تكون قويًا دون أن تكون عدوانيًا،
وأن تكون مسالمًا دون أن تكون مستسلمًا.
هذه المعادلة هي التي تُربك خصوم كوردستان، وتجعلهم عاجزين عن فهمها أو التعامل معها.
فهم اعتادوا على نماذج إما خاضعة أو متمردة بالكامل، أما نموذج يسعى للاستقرار ويحافظ على كرامته في آنٍ معًا، فهو أمرٌ خارج حساباتهم.
وفي عمق هذا المشهد، تبقى الجبال شاهدة.
شاهدة على كل ما مرّ، وكل ما سيمر.
لكنها ليست وحدها من يكتب القصة؛ فهناك شعبٌ قرر أن لا يكون مجرد ضحية، ولا مجرد مقاتل، بل صانعًا لمستقبله.
كوردستان اليوم ليست فقط أرضًا تُدافع عن نفسها، بل فكرةٌ تُدافع عن معنى أعمق:
أن الشعوب التي عرفت الألم، يمكن أن تختار الحياة،
وأن من عاش الحرب، يستطيع أن يكون أكثر تمسكًا بالسلام.
ولهذا، فإن كل قذيفة تسقط على هذه الأرض، لا تُضعف هذا الإصرار، بل تكشفه أكثر.
تكشف أن هناك شعبًا، رغم كل شيء، لا يزال يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، وأن الاستقرار ليس حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا يستحق أن يُدافع عنه.
وهكذا، تبقى كوردستان…
لا لأنها لم تُستهدف، بل لأنها لم تتخلَّ عن ذاتها.
ولا لأنها لم تُجبر على القتال، بل لأنها لم تنسَ أن غايتها ليست الحرب، بل الحياة.