بين الهيمنة الحزبية وتعثر الشراكة: قراءة في إخفاق اتفاقيات وحدة الصف الكُردي

لوند حسين*

شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ أواخر عام 2010 تحولات سياسية عميقة، عُرفت بـِ «الربيع العربي»، والتي انطلقت شرارتها من الثورة التونسية إثر إقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه، قبل أن تمتد موجة الاحتجاجات إلى عدد من الدول العربية، بما فيها سوريا؛ وفي خضم هذه التحولات، تبلورت لدى القوى السياسية الكُردية قناعة بإمكانية توظيف هذه اللحظة التاريخية لإعادة طرح القضية الكُردية ضمن سياق جيوسياسي متغيّر، خاصة في ظل احتمالات إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، وما قد يستتبع ذلك من مراجعة للترتيبات التي أفرزتها اتفاقية سايكس بيكو، والتي أسهمت في توزيع الشعب الكُردي على عدة دول دون تحقيق تطلعاته القومية.

في هذا السياق، جاءت سلسلة من المبادرات السياسية برعاية الرئيس مسعود بارزاني، بهدف توحيد الصف الكُردي في سوريا، عبر اتفاقيات هولير (2012 و2014)، ثم اتفاقية دهوك عام 2014، وصولاً إلى اتفاقية قامشلو في 26 نيسان/أبريل 2025؛ وقد هدفت هذه الاتفاقيات إلى بناء شراكة سياسية حقيقية بين المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، تقوم على تقاسم السلطة وتشكيل مؤسسات مشتركة وإدارة توافقية للمناطق الكُردية؛ غير أنَّ هذه الاتفاقيات، رغم تكرارها وتعدُد صيغها، لم تُترجم إلى واقع عملي، ما يكشف عن وجود عامل بنيوي ثابت يقف خلف هذا الإخفاق المتكرر.

ضمن هذا الإطار، يبرز دور حزب العُمال الكُردستاني PKK بوصفِهِ الفاعل الأكثر تأثيراً في تعطيل مسار التوافق الكُردي-الكُردي في كُردستان (سوريا)؛ فالعلاقة العضوية بينه وبين حزب الاتحاد الديمقراطي لا تقتصر على التنسيق السياسي، بل تمتد إلى مستوى التوجيه الاستراتيجي وصناعة القرار، الأمر الذي يجعل من PYD، في كثير من الأحيان، امتداداً تنظيمياً وليس فاعلاً مستقلاً؛ وهذا الواقع ينعكس مُباشرةً على مسار الاتفاقيات، حيث يتم القبول بها شكلياً تحت ضغط الظروف، ثم تعطيل تنفيذها عملياً عندما تتعارض مع أولويات الحزب الأم.

لقد أظهرت التجربة العملية لاتفاقيات هولير ودهوك أنَّ أحد أبرز أسباب فشلها كان قيام PYD بخطوات أحادية، مثل تشكيل هياكل إدارية وأمنية دون توافق مع الطرف الآخر، وهو ما أدى إلى تقويض مبدأ الشراكة منذ بدايتِهِ؛ كما أنَّ اتفاقية دهوك، التي نصّت على تشكيل مرجعية سياسية مشتركة بنسبة تمثيل متوازنة، بقيت حبراً على الورق، ولم تُفعّل مؤسساتها كما هو متفق عليه؛ وهذا النمط المتكرر من السلوك يعكس، في جوهره، غياب الإرادة الحقيقية لتقاسم السلطة.

إنَّ تفسير هذا السلوك يرتبط بطبيعة المشروع السياسي الذي يحملهُ حزب العُمال الكردستاني والمشكوك في كُرديتِهِ، والذي يقوم على مركزية القرار ووحدة القيادة، وهو ما يتعارض بنيوياً مع فكرة التعددية والشراكة؛ وعليه، فإن أي اتفاق كُردي-كُردي حقيقي من شأنه أن يفرض إعادة توزيع للسلطة والنفوذ، وهو ما يُنظر إليه داخل هذا الإطار كتهديد مباشر لموقع هيمنة تنظيم PKK؛ لذلك، يتم التعامل مع الاتفاقيات بوصفها أدوات تكتيكية لامتصاص الضغوط السياسية والجماهيرية، لا بوصفها التزامات استراتيجية يجب تنفيذها.

كما أن هذا الدور لا ينفصل عن البعد الإقليمي، حيث يتداخل نشاط الحزب مع توازنات معقدة تتجاوز الساحة السورية، ما يجعل القرار الكُردي في كُردستان (سوريا) مرتهناً لحسابات أوسع من المصلحة الكُردية المحلية؛ وفي هذا السياق، تصبح وحدة الصف الكُردي مسألة ثانوية أمام أولويات الصراع الإقليمي، وهو ما يُفسّر تكرار تعطيل الاتفاقيات في اللحظات الحاسمة.

أما اتفاقية قامشلو (نيسان 2025)، فقد جاءت ضمن سياق سياسي مُختلف نسبياً، وتميّزت بطرح مضامين متقدمة على مستوى الخطاب، لا سيما فيما يتعلق بالدعوة إلى بلورة رؤية كُردية موحّدة، وتشكيل وفد تفاوضي مشترك، وطرح صيغ للحكم الذاتي أو الفدرالية؛ ومع ذلك، فإن استحضار التجارب السابقة، إلى جانب استمرار البنية التنظيمية المُهيمنة، ولاسيما من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، يحدّ من إمكانية اعتبار هذا الاتفاق تحولًا نوعيًا؛ إذ لم تُترجم هذه التفاهمات إلى خطوات عملية، خاصة في ظل امتناع الحزب عن إشراك المجلس الوطني الكردي في اللقاءات مع السلطات الانتقالية بدمشق، استنادًا إلى تبرير مفاده أن الاتفاق اقتصر على الإطار السياسي دون أن يشمل الجوانب الإدارية والعسكرية؛ وعليه، فإن غياب آليات تنفيذ فعلية، وفي مقدمتها استقلالية القرار السياسي الكُردي، يبقي هذا الاتفاق في حدود الطرح النظري، دون أن يرتقي إلى مستوى التحول البنيوي المنشود.

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن العامل الحاسم في إفشال اتفاقيات وحدة الصف الكُردية-الكُردية لا يكمن فقط في الخلافات الحزبية أو التباينات الأيديولوجية، بل في طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين حزب العُمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي تُفضي إلى احتكار القرار ومنع تشكّل شراكة حقيقية؛ وبالتالي، فإن أي مشروع مستقبلي للوحدة الكُردية سيظل رهيناً بمدى القدرة على كسر هذه البُنية، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق التوافق أو الشراكة، بما يُتيح بناء موقف كُردي موحّد يعكس فعلياً تطلعات الشعب الكُردي في سوريا.

 

ألمانيا: 28 آذار 2026

* كاتب وصحفي كُردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بيان صادر عن رئيس حكومة إقليم كوردستان نستنكر وندين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي الجبان الذي استهدف بطائرة مسيرة منزل السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، في مدينة دهوك. إننا إذ نجدد إدانتنا لهذا العمل الإجرامي، نطالب الحكومة الاتحادية بالاضطلاع بمسؤولياتها لملاحقة هؤلاء الجناة الخارجين عن القانون وتقديمهم للعدالة، ووضع حد نهائي للهجمات الإرهابية المستمرة التي تشنها هذه الجماعات. كما ندعو…

صلاح عمر في لحظات التحوّل التاريخي، لا تُقاس القرارات بجرأتها الشكلية، بل بقدرتها على تصحيح المسار وإعادة توجيه البوصلة نحو جوهر القضية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قرار استبعاد حزب الحياة الحرة “بيجاك” من مؤتمر لندن للمعارضة الإيرانية، كخطوة تتجاوز بعدها التنظيمي، لتلامس عمق الإشكالية الكردية في روجهلات: أي مشروع يجب أن يقود؟ وأي خطابٍ يجب أن يُمثّل شعبًا دفع…

كفاح محمود   منذ 1979 لم تنظر طهران إلى الشرق الأوسط بوصفه جوارًا جغرافيًا فقط، بل بوصفه مجالًا حيويًا تُدار فيه المعارك خارج الحدود لتأمين الداخل، ورفع كلفة أي ضغط أمريكي أو إسرائيلي عليها، ومن هنا لم يكن بناء الأذرع المسلحة في لبنان ثم العراق فاليمن وسوريا مجرد تعاطف أيديولوجي أو دعم لحلفاء، بل صياغة متدرجة لمنظومة نفوذ عابرة للدول،…

عبدالجبار شاهين في الآونة الأخيرة يطفو على السطح خطاب سياسي جديد–قديم يقوده حزب Pajak الموالي لجماعة الأمة الديمقراطية وإخوة الشعوب، خطاب يقوم على الترويج لفكرة نقل تجربة روژآڤا إلى روژهلاتي كردستان، وكأن هذه التجربة كانت نموذجاً ناجحاً أو مشروعاً قابلاً للتكرار، في حين أن الواقع الملموس وما عاشه الكرد في روژآڤا يثبتان عكس ذلك تماماً، إذ لم تؤدِّ تلك التجربة…