عدنان بدرالدين
مدخل الحلقة
إذا كانت الحلقة الأولى قد سعت إلى مساءلة أزمة الديمقراطية من زاوية المعنى السياسي، وبيان الكيفية التي تتحوّل بها من فضاء للصراع حول الخيارات إلى آلية لإدارة ما يُقدَّم بوصفه حتميًا، فإن هذه الحلقة تنتقل خطوة أخرى إلى الأمام، لتفكيك موقع الدولة في هذا التحوّل. فالسؤال لم يعد يتعلّق فقط بتراجع المشاركة أو ضعف الثقة أو تقلّص الأفق الديمقراطي، بل بكيفية تغيّر وظيفة الدولة نفسها: هل ما نشهده هو انسحاب للدولة من المجال الاجتماعي والسياسي، كما توحي بعض القراءات الشائعة للنيوليبرالية، أم أننا أمام إعادة تعريف أكثر عمقًا لدورها، تجعلها أكثر حضورًا في الإدارة وأقل استعدادًا لتسييس الصراع؟
ينطلق هذا السؤال من فرضية أساسية مفادها أن الديمقراطية لا تُفرَّغ من مضمونها فقط عبر إضعاف المؤسسات أو تعطيل الإجراءات، بل أيضًا عبر تحوّل الدولة ذاتها من إطار يُتيح ترجمة التفاوتات الاجتماعية إلى نزاعات سياسية قابلة للتمثيل والتفاوض، إلى جهاز يعمل على تحييد هذه النزاعات، أو إعادة ترميزها بوصفها مسائل تقنية، أو ضرورات اقتصادية، أو اختلالات سلوكية ينبغي تدبيرها لا مناقشتها سياسيًا.
وبهذا المعنى، فإن ما نسمّيه هنا ديمقراطية الضرورة المُدارة لا يعبّر فقط عن أزمة في المجال التمثيلي أو في شرعية القرار، بل عن تحوّل أصاب وظيفة الدولة ذاتها: من وسيط سياسي بين قوى ومصالح وتناقضات، إلى مدير تقني لشروط السوق، والاستقرار، والانضباط، وإدارة الهشاشة.
الدولة الحديثة بوصفها إطارًا لتسييس الصراع
لم تكن الدولة الحديثة، في لحظة تشكّلها التاريخي، جهازًا محايدًا لإدارة المجتمع، ولا مجرد أداة قمع أو تنظيم إداري صرف. فقد قامت، في أحد أبعادها الحاسمة، بوظيفة سياسية أساسية تمثلت في توفير إطار مؤسسي لتسييس الصراع الاجتماعي. والمقصود بذلك أنها أتاحت، بدرجات متفاوتة وبصيغ تاريخية غير متساوية، تحويل التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية إلى مطالب سياسية قابلة للتعبير والتنظيم والتفاوض والتمثيل.
لم يكن هذا التسييس بطبيعة الحال نقيًا أو شاملًا أو عادلًا في جميع الحالات، ولم تكن الدولة الحديثة يومًا كيانًا بريئًا من علاقات الهيمنة، لكنها مع ذلك مثّلت، في مراحل معينة، وسيطًا سياسيًا تعترف من خلاله السلطة بوجود تناقضات اجتماعية لا يمكن اختزالها في الانضباط أو الإدارة. ومن هنا، لم تكن الديمقراطية مجرد إضافة شكلية إلى الدولة الحديثة، بل أحد تعبيراتها التاريخية حين اضطرت الدولة إلى الاعتراف بالصراع وتنظيمه مؤسسيًا، بدل الاقتصار على قمعه أو إنكاره.
وفي هذا الإطار، لم تكن السياسة شأنًا ثانويًا أو ملحقًا تقنيًا بعمل الدولة، بل كانت مرتبطة بإمكانية تحويل المصالح المتعارضة إلى نزاع مشروع داخل المجال العام. أي إن الدولة، في أحد أوجهها الحديثة، لم تكن فقط أداة حكم، بل أيضًا بنية تسمح بأن يصبح السؤال الاجتماعي سؤالًا سياسيًا.
التحوّل النيوليبرالي: من الدولة السياسية إلى الدولة الإدارية
مع صعود النيوليبرالية، لا تختفي الدولة كما يُشاع أحيانًا، ولا “تتراجع” ببساطة لصالح السوق، بل يعاد تعريف وظيفتها على نحو أكثر تعقيدًا. فهي لا تتخلى عن التدخل، بل تغيّر موضوعه واتجاهه. فبدل أن تكون الدولة ساحة لتسييس الصراع، تميل إلى لعب دور المدير التقني لشروط السوق، والاستقرار المالي، والانضباط الاقتصادي، وإعادة إنتاج البيئة الملائمة لتراكم رأس المال. وبهذا المعنى، لا تمثل النيوليبرالية لحظة انسحاب للدولة، بقدر ما تمثل لحظة انتقالها من الدولة السياسية إلى الدولة الإدارية.
في هذا التحوّل، لا يُلغى الصراع الاجتماعي نهائيًا، لكنه يُنزَع عنه طابعه السياسي، ويُعاد تقديمه بوصفه خللًا في الكفاءة، أو قصورًا في المهارات، أو نتيجة خيارات فردية خاطئة، أو تعبيرًا عن مقاومة غير عقلانية لما تفرضه “الوقائع”. وهكذا، لا يعود دور الدولة تنظيم الصراع بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن تناقضات اجتماعية، بل تحييده، وإعادة تطويقه، وتسميته بأسماء أخرى: إصلاح، حوكمة، مرونة، ضبط، واقعية، انضباط.
ومن هنا يتعمق ما أشرنا إليه في الحلقة الأولى: فـ ديمقراطية الضرورة المُدارة لا تقوم فقط على اختزال الديمقراطية في إجراءاتها، بل أيضًا على إعادة تشكيل الدولة بحيث تصبح الأداة التي تنظّم هذا الاختزال وتمنحه طابعًا مؤسسيًا مستقرًا. فالدولة لا تقول للمجتمع فقط ما هو المسموح به، بل تعيد تشكيل أفق الممكن نفسه، بحيث يبدو ما هو قائم وكأنه النتيجة الوحيدة العقلانية المتاحة.
حياد الدولة أم حياد السياسة؟
تقدّم الدولة النيوليبرالية نفسها، في الغالب، بوصفها دولة محايدة. فهي لا تعلن انحيازها إلى مصالح بعينها، بل تتحدث بلغة القواعد العامة، والاستقرار، واحترام منطق السوق، والاحتكام إلى الخبرة. غير أن هذا الحياد، عند التدقيق، ليس سوى حياد إجرائي يخفي انحيازات بنيوية عميقة.
فالقرارات التي تُقدَّم بوصفها تقنية أو غير أيديولوجية — مثل سياسات التقشف، واستقلالية البنوك المركزية، وأولويات خفض العجز، وضبط الإنفاق الاجتماعي، وإعادة هيكلة الدعم، وتحرير الأسواق — ليست قرارات بلا مضمون سياسي، بل هي في جوهرها قرارات توزيعية تحدد من يتحمّل الخسارة ومن يجني الفائدة، ومن يُطلب منه التكيّف ومن تُصان شروط امتيازه. لكن ما يمنح هذه القرارات قوتها ليس فقط محتواها، بل طريقة عرضها: إذ تُقدَّم على أنها استجابة ضرورية للواقع، لا اختيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية لهذا التحول: ليس المقصود تحييد الدولة بقدر ما المقصود تحييد السياسة داخل الدولة. فالدولة لا تصبح أقل فاعلية، بل تصبح أقل قابلية للمساءلة السياسية في المسائل التي تمسّ توزيع الأعباء والمكاسب. إنها تمارس السلطة، ولكن عبر تحويل قراراتها إلى تطبيقات محايدة لقواعد أو توصيات أو “حقائق” مفترضة. وبهذا المعنى، لا يكون الحياد نقيضًا للسلطة، بل أحد أكثر أشكالها فاعلية، لأنه يخفي نفسه في صورة ضرورة.
الدولة حين تعيد إدارة الممكن
إذا كانت الدولة الحديثة، في بعض مراحلها، قد سمحت بجعل الصراع الاجتماعي موضوعًا سياسيًا، فإن الدولة النيوليبرالية تميل، على العكس، إلى إعادة تعريف الممكن ذاته. فهي لا تمنع الناس فقط من تغيير السياسات، بل تدفعهم إلى تصوّر هذه السياسات بوصفها الحد الطبيعي الوحيد لما يمكن التفكير فيه. وهكذا لا تعود الإدارة مجرد وظيفة تنفيذية، بل تتحول إلى طريقة في تنظيم الإدراك العام، بحيث يصبح السؤال السياسي نفسه موضع تضييق.
بهذا المعنى، لا تُلغى السياسة بقرار مباشر، بل تُستنزف تدريجيًا. يُسمح بالنقاش، ولكن ضمن حدود لا تمسّ “الضرورات”. تُتاح الانتخابات، ولكن بين بدائل لا تختلف في المسائل البنيوية الكبرى. يُعترف بالاعتراض، ولكن ما دام لا يتحول إلى قدرة فعلية على إعادة ترتيب الأولويات. وتصبح الدولة، في هذا السياق، جهازًا لا يدير المجتمع فقط، بل يدير أيضًا حدود الخيال السياسي الممكن داخله.
النسخة الشرق أوسطية: حين تلتقي النيوليبرالية بالدولة الريعية
في الشرق الأوسط، لا يحدث هذا التحوّل على أرضية دولة حديثة مكتملة بالمعنى الأوروبي، ولا داخل عقد اجتماعي ديمقراطي راسخ. فالكثير من دول المنطقة لم تتأسس أصلًا على علاقة ضريبية–تمثيلية واضحة، بل على أنماط ريعية–زبائنية، وعلى شبكات ولاء ووساطة، وعلى أشكال من السلطوية التاريخية التي جعلت المجال العام هشًا أو محدودًا منذ البداية.
في هذا السياق، لا تؤدي النيوليبرالية إلى تحييد صراع سياسي قائم ومؤسّس فحسب، بل كثيرًا ما تؤدي إلى منع تشكّله أصلًا. فالدولة لا تُدار بوصفها وسيطًا بين مصالح اجتماعية متعارضة داخل فضاء تمثيلي مستقر، بل بوصفها موزعًا للامتيازات، ومنظمًا للولاءات، وحارسًا للهشاشة. وحين تتبنّى هذه الدولة خطاب السوق والكفاءة والإصلاح، فإنها لا تتحول بالضرورة إلى دولة تنافسية أو عقلانية بالمعنى المؤسسي، بل تعيد إنتاج الإقصاء السياسي نفسه بلغة جديدة، وتلقي على الأفراد عبء التكيف مع شروط لم يشاركوا في صنعها.
هنا تظهر ديمقراطية الضرورة المُدارة في صيغة هجينة أكثر خشونة ووضوحًا. فهي لا تتجسد فقط في حياد تقني مزعوم، كما في بعض التجارب الغربية، بل في مزيج من السلطوية والإدارة والريع والانضباط الاجتماعي. ويُقال للناس، بصيغ متعددة، إن الاستقرار مقدَّم على المشاركة، وإن الواقعية مقدَّمة على المطالب، وإن النجاة الفردية أولى من الفعل الجماعي. وهكذا تتعزز بنية سياسية لا تحيّد الصراع فقط، بل تمنع تحوله إلى سؤال عمومي من الأصل.
من الدولة بوصفها ساحة إلى الدولة بوصفها تقنية
النتيجة، في السياقين الغربي والشرق أوسطي، مختلفة في الشكل لكنها متقاربة في الجوهر. فالدولة تفقد تدريجيًا وظيفتها السياسية بوصفها ساحة يمكن أن يُترجم داخلها الصراع الاجتماعي إلى نزاع مشروع حول البدائل، وتُعاد صياغتها بوصفها جهازًا للإدارة، والتقنين، والضبط، وتوزيع التكيف مع الضرورات.
في هذه الصيغة، يُسمح بالصراع طالما بقي بلا أثر بنيوي، ويُسمح بالمشاركة طالما لم تمسّ “الثوابت” التي تُقدَّم بوصفها ضرورات، ويُسمح بالديمقراطية طالما لم تتحول إلى تهديد فعلي لتوازنات قائمة. وهنا تبدأ الديمقراطية بالتبدّل في معناها الأعمق: لا تعود فضاءً لإنتاج الإرادة الجماعية، بل إطارًا لتنظيم العجز، وإدارة القبول، وضبط الاعتراض ضمن حدود لا تغيّر شيئًا جوهريًا.
وهذا هو، في أحد وجوهه المركزية، معنى الانتقال من الدولة السياسية إلى الدولة الإدارية: ليس زوال السلطة، بل ازديادها في صورة أقل قابلية للتسييس، وأكثر قدرة على فرض نفسها بوصفها مجرد استجابة عقلانية لما لا يمكن تجنبه.
هوامش توضيحية
(1) يُقصد بالتحول النيوليبرالي للدولة إعادة تعريف دورها من فاعل سياسي يُنظّم الصراع الاجتماعي إلى مدير تقني لشروط السوق والاستقرار، من دون أن يعني ذلك انسحابها أو ضعفها.
(2) يشير الحياد الإجرائي إلى تقديم القرارات السياسية بوصفها تطبيقًا محايدًا لقواعد عامة أو توصيات خبراء، مع إخفاء آثارها التوزيعية وانحيازها البنيوي.
(3) في الدولة الريعية–الزبائنية، لا تقوم العلاقة بين الدولة والمجتمع على الضرائب والتمثيل، بل على توزيع الريع والامتيازات، ما يحدّ من إمكان تشكّل صراع سياسي منظّم حول السياسات العامة.
خاتمة الحلقة الثانية
إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت أن أزمة الديمقراطية تتصل بتحوّل السياسة من صراع حول الخيارات إلى إدارة لما يُقدَّم بوصفه حتميًا، فإن هذه الحلقة تُظهر أن الدولة كانت أحد المواقع الحاسمة لهذا التحوّل. فالمسألة ليست أن الدولة تراجعت، بل أنها أُعيد تشكيلها على نحو يجعلها أقل انفتاحًا على التسييس، وأكثر انخراطًا في إدارة الضرورة وتطبيعها.
وبهذا المعنى، فإن ديمقراطية الضرورة المُدارة لا تعني فقط أن الديمقراطية تُختزل في إجراءات شكلية، بل تعني أيضًا أن الدولة نفسها تُعاد صياغتها بحيث لا تعود وسيطًا للصراع الاجتماعي، بل جهازًا لتقييد هذا الصراع، أو تفريغه، أو إعادة تعريفه بلغة الخبرة والكفاءة والاستقرار والواقعية. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل الدولة قوية أم ضعيفة؟ بل: لصالح أي منطق تعمل؟ وهل ما تزال تتيح للمجتمع أن يحوّل تناقضاته إلى سياسة، أم أنها تدفعه إلى التكيّف مع ما يُقال له إنه قدر لا يمكن تغييره؟
إلى الحلقة القادمة
إذا كانت الدولة قد تحوّلت من ساحة لتسييس الصراع إلى جهاز لإدارته وتحييده، فكيف أثّر ذلك على صورة الإنسان السياسي نفسه؟ وكيف يمكن الحديث عن مواطنة، أو مشاركة، أو فعل جماعي، في ظل دولة تُدار فيها الحياة العامة من دون سياسة بالمعنى الفعلي؟
في الحلقة الثالثة، ننتقل إلى مفهوم «الإنسان المعزول سياسيًا»: حين تكثر الروابط، وتضعف القدرة على الفعل المشترك.