من فياضانات الشتاء القاتلة الى جفاف الصيف المدمر

فرهاد دريعي / ألمانيا 

في مارس/ الحالي   2026، تحولت سماء شمال وشرق سوريا إلى مصدر رعب حقيقي، فقد هطلت أمطار غزيرة جداً على المناطق الكوردية بشكل خاص، واجتاحت الفيضانات العارمة مدن الحسكة والقامشلي وديرك وعامودا وتربسبية وتل تمر وتل حميس، وغمرت المياه مئات المنازل في أحياء غويران والنشوة والمريديان والليلية بالحسكة، واجتاحت شوارع ديرك حتى غرقت الأزقة والمنازل، وانهارت منازل طينية في قرى عامودا وتل حبش والحمرا وتل حميس واضطرت مئات العائلات إلى النزوح الاضطراري تاركة كل ممتلكاتها خلفها. 

وبدأ تدفق نهر الخابور بشكل عارم إلى حوالي 80 متراً مكعباً في الثانية عند تل تمر، كما وصل إلى 70 متراً مكعباً داخل مدينة الحسكة، بينما بلغ تدفق نهر جقجق 40 متراً مكعباً، وارتفع نهر الخنزير وروافد أخرى موسمية بفياضانات جرفت كل ما في طريقها،

 فقطعت السيول عشرات الطرق، وأغلقت المعابر كما سقط ضحايا بينهم أطفال غرقاً أو تحت أنقاض المنازل المنهارة بفعل تسرب المياه الى داخلها، وانتشرت المخاوف الصحية من التلوث. 

هذا الوجه المرعب للمياه ليس جديداً، بل هو الجانب الآخر من مأساة مزمنة تعيشها المنطقة منذ سنوات، فلقد مرت مواسم جفاف وقحط شديدة، وصفت بأنها الأسوأ في عقود، حيث انخفضت الأمطار بنسبة كبيرة وشحت المياه حتى جفت معظم الآبار، أو تدنت منسوبها الى مستويات ليست معهودة، وبقيت مئات الآلاف من الهكتارات أرضاً بوراً لا يغرد فيها طير ولا تنبت فيها زرع. 

صيف لاهب جاف لا يرحم، وفيه نحن أحوج ما نكون إلى قطرة ماء للري والشرب، فتجف محاصيل القمح وغيرها وكذلك الخضروات، ويصاب الفلاحون بالفاقة والعوز، ويهجرون أراضيهم بحثاً عن لقمة العيش. 

أما اليوم، في هذا الموسم تحولت تلك السماء الرحيمة إلى عدو جارف.  والأسوأ أن تذهب ملايين الأمتار المكعبة من المياه هدراً عبر مصبات الأنهار، مغادرة المنطقة دون أن تفيد أحداً.

يُعاني شمال وشرق سوريا بشكل عام والمناطق الكوردية بشكل خاص من تناقض مائي مؤلم، فأنهار مثل الخابور وجقجق والخنزير والبليخ وروافدهم الموسمية تتحول شتاءً إلى وحوش جارفة تغرق المدن والأرياف على حد سواء، ثم تجف تماماً في الصيف حتى يختفي مجراها. 

نهر جقجق الذي ينبع من طور عابدين في شمال كوردستان ويمر وسط القامشلي قبل أن يصب في الخابور عند الحسكة، كان يوماً شريان حياة، لكنه الآن بات يحمل الدمار في الشتاء واليباس في الصيف،أما نهر الخنزير ووديان عامودا وتربسبية وديرك، فتتحول إلى سيول مدمرة عند أول هطول غزير، ثم لا تترك خلفها سوى أرض عطشى. 

سنوات الجفاف المتتالية خفضت منسوب المياه الجوفية بأمتار عديدة، ودمرت الزراعة التي كانت تُغذي المنطقة بأكملها، وهددت الأمن الغذائي لملايين السكان.

أما آن أن نبدأ بدراسة عاجلة وشاملة يقودها خبراء متخصصون في الهندسة المائية والبيئة والاقتصاد والزراعة لوضع خطط تنفيذية لبناء سدود صغيرة ومتوسطة على الأنهار والوديان الفرعية في المنطقة، سدود على روافد الخابور وعلى نهر جقجق قبل وصوله إلى الحسكة وعلى مجاري الخنزير ووديان ديرك وعامودا وتربسبية، وحول القامشلي وتل تمر. 

إن مثل هذه السدود ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية، فبتخزين مياه الفيضانات الشتوية نستطيع مواجهة جفاف الصيف القادم ونروي آلاف الهكتارات التي كانت تبقى بوراً ونرفع منسوب المياه الجوفية لتعود الآبار إلى الحياة بطاقتها المثلى ونمنع غرق مئات المنازل وتضرر عشرات الطرق في كل موسم مطري. 

كما ستتيح هذه السدود توليد كهرباء محلية تخفف أزمة الطاقة في المنطقة، وتوفر فرص عمل لآلاف الشباب وتحمي الصحة العامة بتقليل انتشار الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة أو الجفاف، ومع دراسات بيئية دقيقة يمكن أن تحافظ هذه المشاريع على التوازن البيئي وتمنع التصحر، وتعيد الحياة النباتية والحيوانية التي اختفت مع الجفاف الى سابق عهدها.

الخطة يجب أن تكون شاملة بمسح جيولوجي لاختيار مواقع آمنة تتجنب الانهيارات، ومشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية من المزارعين الكورد والعرب والآشوريين في التخطيط لضمان عدالة توزيع المياه. 

واقتصادياً فإن تكلفة السدود الصغيرة معقولة ويمكن تمويلها بدعم من المنظمات الدولية أيضا بشرط الشفافية مع تنسيق محلي وإقليمي إن أمكن، فالمياه حق إنساني يجب أن يُدار بعيداً عن التجاذبات.

إن التحديات موجودة بدون شك فالتكلفة ونقص الخبرات المحلية والمخاطر البيئية يجب أن تُدار بحكمة، والحل يكمن في التحرك العاجل بتشكيل لجان طوارئ مشتركة وإجراء دراسات الجدوى، اليوم قبل الغد، وبدء التنفيذ التدريجي قبل الصيف القادم. 

شمال وشرق سوريا بمدنه الحسكة والقامشلي وديرك وعامودا وتربسبية وغيرها، لا يستحق أن يظل أسيراً لهذا التناقض المائي المؤلم، فالمياه التي تُغرق منازلنا اليوم يمكن أن تروي أراضينا غداً، وتعيد الأمل إلى فلاحينا، وتبني مستقبلاً أكثر استقراراً وتتحول الى خير دائم .

إن تنفيذ مشروع صغير يبدأ بسد صغير على نهر صغير، سيكون تأثيره كبيراً على ملايين الأرواح .

             

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين المسؤولون برئاسة الإقليم ، والحكومة ، والمؤسسات الأخرى المدنية ، والعسكرية ، والأمنية ، والحزبية ، ومنذ اعلان الفيدرالية ، بعد انتخابات المجلس الوطني – البرلمان – عام ١٩٩٢ ، وحتى الان لم يتوقفوا عن الانفتاح على العالم الخارجي ، وبناء العلاقات الدبلوماسية ، والاقتصادية ليس انطلاقا من بنود الدستور العراقي فحسب بل من خصوصية فيدراليتهم الشبيهة بالكونفدرالية…

محي الدين حاجي في عتمة الغرف الطينية السرية وبعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية، كان صوت دوران الالة الكاتبة أشبه بدمدمة ثورية خافتة. لم تكن تلك الآلات البدائية تطبع منشورات عادية، بل كانت تصوغ باللغتين الكردية والعربية ملامح الوعي السياسي لحركة ولدت في السر، وعاشت على وقع الأزمات.منذ التأسيس الأول للحركة الكردية عام 1957 وحتى مطلع الثمانينيات، لم تكن الصحافة الحزبية…

محمد سعيد آلوجي إذا نظرنا إلى هذا اللقاء من زاوية سياسية لا إعلامية، فإن أهميته لا تكمن في البروتوكول وحده، بل في الرسائل التي حملها. لقاء رئيس إقليم كوردستان العراق نيجيرفان بارزاني مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، وما رافقه من حفاوة استقبال رسمية، يمكن قراءته على عدة مستويات: 1. الاعتراف السياسي المتبادل: منح الاستقبال البروتوكولي الرفيع انطباعاً بأن دمشق…

مهند محمود شوقي لم يكن أكثر ما شد انتباهي في قضاء ئامێدی بوابته الحجرية، ولا أسواره التي قاومت قروناً من التحولات، بل ذلك الشعور الذي يرافق الإنسان عندما يقف في مكان يدرك أن آلاف الأشخاص سبقوه إلى النقطة نفسها. ملوك مروا من هنا، وعلماء ورهبان وتجار وجنود، تركوا جميعاً أثراً ما زالت الأرض تحفظه بصمت. كل خطوة بين…