سوريا: التعددية والفيدرالية طريق المستقبل

خالد حسو

أقولها بوضوح ودون مجاملة: إنني أكنّ لكل السوريين، على اختلاف قومياتهم وأديانهم، كل المحبة، وأتمنى لهم الأمن والسلام والاستقرار. كما أقدّر كل المشاعر الصادقة التي تدفع نحو الوحدة، وأحترم الشعارات التي تُرفع في هذا السياق، مثل: “الشعب السوري واحد”، و“عربي كوردي درزي علوي واحد”، و“مسلم مسيحي واحد”.

لكن من المهم أن ندرك أن أي شعارات، مهما كانت نواياها صادقة، تبقى ناقصة إذا لم تعكس الواقع بكل تفاصيله. فالمجتمع السوري متنوع، ويضم مكونات متعددة، من بينها الأيزيديون، الذين لهم دينهم وخصوصيتهم، وكذلك مكونات أخرى مثل اليهود، الذين كان لهم حضور تاريخي في هذا البلد، شأنهم شأن غيرهم من المكونات .

إن هذا التنوع ليس مشكلة، بل هو جزء أصيل من هوية سوريا، ويستحق الاعتراف والاحترام والحماية، لا التهميش أو التجاهل .

لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى سبب خلاف. فالمجتمع السوري، مثل غيره، شهد تراكمات من التوترات والانقسامات، والتي انعكست على جميع مكوناته. وهذه التحديات تحتاج إلى مواجهة صريحة، تقوم على الاعتراف بالواقع، لا إنكاره .
فالاعتراف ليس ضعفاً، بل هو خطوة أساسية نحو بناء مستقبل أفضل .

ومن الطبيعي أن يؤدي تراكم الأخطاء والمعاناة إلى أزمات كبيرة، وهو ما شهدته سوريا خلال سنوات طويلة. لذلك، فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تغييراً حقيقياً في التفكير، والانتقال من منطق الإقصاء إلى منطق الشراكة .

وفي هذا السياق، فإن أي خطوة نحو الحوار بين السوريين تُعد خطوة إيجابية، إذا كانت مبنية على نوايا صادقة ورغبة حقيقية في الحل. ونأمل أن تتطور هذه الخطوات إلى حلول عملية، تعزز مبدأ المواطنة المتساوية، وتضمن مشاركة جميع المكونات في مؤسسات الدولة دون استثناء .

فالقضية الكوردية، على سبيل المثال، هي قضية سياسية وقومية، ترتبط بالحقوق والهوية، ولا يمكن حلها إلا عبر حوار سياسي وقانوني جاد، يحقق التفاهم بين جميع الأطراف، بعيداً عن التوتر والمواقف المسبقة .
وكل قضية عادلة تقوم على رفض الظلم بكل أشكاله، وعلى احترام الكرامة الإنسانية، وصون الحقوق، ورفض أي ممارسات من شأنها أن تؤدي إلى التهميش أو الإقصاء أو التمييز .

ومن البديهي أن الدستور والقانون هما الأساس في بناء أي دولة مستقرة، فهما الضمانة الحقيقية لحقوق جميع المواطنين والقوميات والمكونات والأديان واللغات والشعوب، والإطار الذي ينظم العلاقة بين السلطات، ويكفل الحريات، ويحمي المجتمع من الفوضى والاستبداد .
وبكل وضوح، تقف سوريا اليوم أمام خيارين:
إما أن تتجه نحو دولة اتحادية (فيدرالية) ديمقراطية تعددية لا مركزية، تقوم على الاعتراف بجميع مكوناتها، وتؤسس لشراكة وطنية عادلة، وتفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية.
وإما أن تستمر في تجاهل هذا الواقع، والتمسك بنموذج الإقصاء، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التوتر والانقسام، ويضعف بنية الدولة على المدى الطويل.
إن الخيار بين هذين المسارين ليس مجرد خيار سياسي، بل هو خيار يحدد مستقبل سوريا:
إما دولة تتسع لجميع أبنائها، أو واقع يضيق بالجميع .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إلى قيادة حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا السيدات والسادة أعضاء المكتبين السياسيين واللجنتين المركزيتين المحترمين. تحية حزبية صادقة، نخاطبكم اليوم من داخل منظمات الحزب ومن مواقع العمل اليومي بين الرفاق والقواعد حيث نلاحظ بشكل مباشر حجم التراجع الذي أصاب حضور حزبنا ودوره منذ لحظة الانقسام وحتى الآن. أيها الرفاق: كما تعلمون لم يعد خافياً على أحد أن حالة الانقسام…

حسن قاسم تُظهر التجارب السياسية أن الدولة الدينية لا تقف عند حدود تنظيم العلاقة بين الدين والمجتمع، بل تتحول غالباً إلى نظام مغلق يحتكر الحقيقة ويُقصي الآخر. فحين تُمنح السلطة طابعاً مقدساً، تصبح معارضتها نوعاً من التمرّد العقائدي، لا مجرد خلاف سياسي، ما يفتح الباب عملياً أمام نشوء نظام دكتاتوري مهما كانت نواياه المعلنة. نماذج معاصرة تؤكد هذه الحقيقة؛ فالنظام…

خالد جميل محمد توحي عبارة العنوان “لم يَقتل التوبيخُ موهبتي”، بأن كاتبَها شديدُ الإعجاب بنفسه، ومغترٌّ بكفاءاته وكفاياته التي صمدت بحزم في وجه النقد حيناً والتوبيخ أحياناً، لكنه أثبتَ جدارته ونجاعةَ نِتاجه، إلّا أن المرادَ، في هذا السياق، هو الإخبارُ بأن إصرار ذي الموهبة هو ما يجعله قادراً على تجاوز العقبات والنكبات والنكسات المصحوبةِ بتقريعٍ يَقْصِم الظَّهْرَ، وتَثريبٍ يَئِدُ بذورَ…

ا. د. قاسم المندلاوي يعاني جزءٌ كبير من الإعلام العربي من ابتعادٍ واضح عن الحقيقة والإنسانية ، حيث تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لتلميع صورة بعض الحكّام، مهما ارتكبوا من فساد أو ظلم بحق شعوبهم . ومع الأسف ، يساهم عدد من المذيعين والإعلاميين في هذا النهج ، عبر تبرير سياسات الطغاة والتستر على أخطائهم ، بدلًا من…