الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأٍ آخر؟

د. محمود عباس

في التجارب السياسية التي تنشأ داخل بيئات غير مستقرة، غالبًا ما يتكرر نمط واحد، حين يتعرض طرف لانتكاسة، يميل إلى الرد بتشدد مضاعف بدل مراجعة المسار، وحين يفشل خيار سياسي، يُستبدل بخيار أكثر حدّة لا أكثر عقلانية. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة التي يصعب كسرها، خطأ يولّد تصعيدًا، والتصعيد يولّد خسارة جديدة، ثم تُبرَّر الخسارة بخطاب أشد انغلاقًا.

في غربي كوردستان، لا يمكن إنكار أن الإدارة الذاتية، والمجلس الوطني الكوردي، ارتكبت أخطاء إدارية وسياسية ساهمت في تآكل بعض مكتسباتها. لقد كانت المراهنة المفرطة على مظلة دولية غير ثابتة أحد أبرز هذه الأخطاء، رغم أن الخيارات المتاحة في تلك اللحظة لم تكن واسعة، وربما لم يكن هناك بديل عملي واضح. غير أن محدودية البدائل لا تُعفي من ضرورة القراءة العميقة لموازين القوى الدولية، إذ لم تكن تقديرات حدود الالتزام الأمريكي من جهة والدول الإقليمية من جهة أخرى، دائمًا على قدرٍ كافٍ من التحوط الاستراتيجي. وعندما تغيّرت أولويات واشنطن الإقليمية، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها أمام إعادة ترتيب لمعادلات النفوذ لم تكن شريكًا فعليًا في صياغتها. الواقعية السياسية كانت تقتضي افتراض أن الدعم الدولي تحكمه المصالح لا التحالفات العاطفية، وأن أي ضمانة خارجية تبقى قابلة لإعادة التفاوض مع تغير التوازنات.

 لذلك كان من الضروري بالتوازي مع الرهان الخارجي تعزيز الجبهة الداخلية، عبر توسيع قاعدة التوافق مع مختلف القوى الكوردية، والعمل على تحسين البنية المؤسسية والواقع المعيشي بما يعمّق الشرعية المجتمعية ويخفف من أثر التحولات الدولية.

وفي المقابل، لم يكن المجلس الوطني الكوردي في موقع أفضل. تحالفه الطويل مع الائتلاف الوطني السوري، وارتهانه النسبي للموقف التركي، لم يمنحاه قدرة تفاوضية مستقلة. وعندما أعادت تركيا ترتيب أولوياتها الإقليمية، ظهر بوضوح أن المجلس لا يمتلك أوراق ضغط حقيقية داخل المعادلة السورية. بل إن لحظة سقوط النظام لم تُترجم إلى حضور سياسي مؤثر للمجلس في المشهد الانتقالي، لا على مستوى القرار الداخلي ولا في موازين التفاوض الإقليمي. هكذا بدا أن الرهان على الإطار المعارض التقليدي لم يُنتج تمثيلًا فاعلًا، كما أن الرهان على المظلة العسكرية–الدولية لم يؤمّن استقرارًا دائمًا.

النتيجة الموضوعية أن الطرفين خسرا جزءًا من أوراقهما، وإن اختلفت طبيعة الخسارة. الإدارة الذاتية خسرت هامشًا من الثقة الدولية، والمجلس الوطني خسر هامشًا من الاستقلالية الإقليمية. في ظل هذا التوازن السلبي، يصبح السؤال الاستراتيجي أكثر إلحاحًا، كيف يمكن لطرفين متوازنين في القدرة على المنع، لكن غير قادرين على الحسم، أن يخوضا صراعًا صفريًا دون أن يخسر كلاهما؟

الصراع الصفري يفترض قدرة أحد الأطراف على إلغاء الآخر، غير أن الواقع في غربي كوردستان لا يسمح بهذا السيناريو. لا عسكريًا، ولا سياسيًا، ولا اجتماعيًا. كل طرف يمتلك ما يمنع إقصاءه الكامل، لكنه لا يمتلك ما يتيح له فرض هيمنته الشاملة. وفي مثل هذا التوازن، لا ينتج التصعيد انتصارًا، بل استنزافًا متبادلًا، يفتح المجال لتدخلات إقليمية أوسع، سواء من تركيا أو من الحكومة السورية الانتقالية، أو من القوى الدولية التي تتعامل مع الملف الكوردي بمنطق المقايضة.

لا يمكن إصلاح الانقسام بالتصعيد، كما لا يمكن معالجة الخطأ بمضاعفته. إن خسارة ورقة سياسية لا تُعالج بحرق ورقة أخرى، بل بإعادة ترتيب الموقع ضمن موازين القوة الفعلية. والحوار في حالة توازن القوى ليس تعبيرًا عن ضعف، بل استجابة عقلانية لواقع لا يسمح بالحسم. فالطرف الذي يرفض الاعتراف بحدود قوته، يُجبر لاحقًا على الاعتراف بها في ظروف أكثر قسوة.

المعضلة اليوم ليست في تحديد من ارتكب الخطأ الأكبر، بل في الاعتراف بأن الخطأ لا يُصحَّح بخطأٍ جديد. فكل محاولة لإقصاء الطرف المقابل ستعيد إنتاج الأزمة بصيغة أشد تعقيدًا، وكل تصعيد إضافي سيمنح الفاعل الخارجي مساحة أوسع للتدخل وإعادة هندسة المشهد بما يخدم مصالحه.

في لحظات التوازن السلبي، يكون الخيار العقلاني هو تقليص الخسائر لا توسيعها، وتثبيت الحد الأدنى الوطني المشترك بدل اختبار الحد الأقصى من الصراع. لأن الطرفين، مهما اختلفت مرجعياتهما، متوازنان في القدرة على التعطيل، وغير قادرين على الحسم. وفي الصراعات الصفرية بين أطراف متوازنة، لا يوجد منتصر حقيقي، بل فقط خسارة مؤجلة تُراكم على حساب المشروع الكوردستاني بأكمله.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

26/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي   ليست كل الأوطان وُلدت على طاولة المفاوضات، ولا كل الحدود رُسمت بالحبر. هناك أوطان كُتبت بالدم، وحُفرت في ذاكرة شعوبها بالتضحيات، وكوردستان واحدة منها. فما يراه العالم اليوم من مدن نابضة بالحياة، وطرق حديثة، وجامعات، ومستشفيات، ومؤسسات، لم يكن يومًا هدية من التاريخ، بل ثمرة قرن من النضال. فمن ثورة الشيخ محمود الحفيد، إلى ثورات بارزان،…

دلدار بدرخان لطالما كان PYD يتهم المعارضة و فصائل الجيش الوطني وقياداتها ، أمثال أبو عمشة ، وسيف أبو بكر ، وفهيم عيسى وغيرهم من القيادات ، بالخيانة والعمالة والإجرام ، وكان يصفهم بأنهم بيادق وأدوات تعمل تحت إمرة تركيا . وكذلك كان يتهم قيادات المجلس الوطني الكوردي ظلماً وعدواناً بأنهم قالوا بالفم الملآن إن لديهم ست كتائب مشاركة في…

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…