جمال ولوبين “بشرية” الرسالة ونقاء النهج: في ذكرى ميلاد البارزاني الـ 103

جمال ولو
​في الذكرى الثالثة بعد المئة لميلاد الأب الروحي للكوردايتي، مصطفى البارزاني، نجد أنفسنا أمام استحقاق أخلاقي وسياسي يحتم علينا المكاشفة لا الاحتفال الصوري. فبينما نحيي ذكرى رجلٍ عُرف بالتواضع، والصدق، والزهد في المناصب، والوقوف ضد التشرذم، نرى اليوم مشهدًا سرياليًا يتناقض تمامًا مع جوهر ما ناضل من أجله.
​علمانية “العمل الصالح” ومأزق الاستغلال
​تابعتُ قبل قليل تحليلاً عميقاً للناشط كمال الحلاق حول التحولات النفسية والاجتماعية، حيث طرح سؤالاً جوهرياً: “هل ذُكرت العلمانية في القرآن؟”. وبالرغم من عدم وجود المصطلح حرفياً، إلا أن الاستدلال بختام سورة الكهف كان مذهلاً:
​”قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا”
​هذه الآية تؤسس لجوهر “العلمانية” بمعناها النبيل: فصل القداسة عن الإدارة البشرية، والتركيز على “العمل الصالح” كمعيار وحيد للنجاة والرفعة. ما ينطبق على نقد كمال الحلاق للمجتمعات العربية والإسلامية، ينطبق علينا كحركة كوردية ومجتمع كوردستاني بحذافيره؛ فقد تم تحويل “النهج” إلى شعارات مُقدسة يُتاجر بها، بينما غاب “العمل الصالح” الذي يخدم الشعب.
​خمسون حزباً.. والنهج واحد؟!
​أين نحن من صدق البارزاني وشجاعته؟ وكيف يستقيم ادعاء السير على نهجه في ظل وجود أكثر من خمسين حزباً كوردياً؟
​هذا التشرذم ليس تعدداً سياسياً، بل هو نفاق، وتسلق، وانتهازية.
​البارزاني كان يجمع، وهؤلاء يفرقون.
​البارزاني كان يضحي، وهؤلاء يبحثون عن الكراسي والمصالح الضيقة.
​إن ما نراه اليوم هو “وثنية سياسية” تشرك بالنهج الحقيقي مصالح حزبية وشخصية، وتستغل دماء الشهداء وتضحيات أسلافنا وآبائنا وأبنائنا لتبرير الفشل والجمود.
​رسالة شديدة اللهجة: آن أوان المراجعة
​على كل من يدعي الانتماء لمدرسة البارزاني الخالد أن يعيد حساباته من نقطة الصفر:
​تقليص الفائض الحزبي: هذا التضخم في عدد الدكاكين السياسية هو إهانة لتاريخ الحركة التحررية الكوردية.
​تنظيف الصفوف: التخلص من المتسلقين والوصوليين الذين جعلوا من القضية “مهنة” لا “رسالة”.
​تمكين الكفاءات: حان الوقت لتسليم الراية للجيل الجديد، لأصحاب الاختصاصات والمهن والعقول العلمية، ومعهم الأنقياء من الجيل القديم أصحاب التجربة والخبرات، بدلاً من الولاءات الحزبية الضيقة.
الخلاصة:
الوفاء لمصطفى البارزاني لا يكون بتعليق صوره، بل بتجسيد أخلاقه في الصدق والوحدة. إن لم نغير ما بأنفسنا، ونوقف هذا النزيف الأخلاقي والسياسي، فنحن لا نسير على نهجه، بل نقتات على إرثه.
​الرحمة لروح البارزاني الخالد، والمجد لكل من يعمل “عملاً صالحاً” لأجل هذا الشعب المظلوم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…