د. محمود عباس
مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد السؤال نظريًا كما كان في السابق. فالحرب لم تعد احتمالًا أو أداة ضغط سياسية، بل أصبحت واقعًا مفتوحًا يعيد رسم توازنات المنطقة. وفي هذا السياق لا يقتصر السؤال على كيفية سير المعارك أو من يتفوق عسكريًا في لحظة معينة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق، كيف سيُعاد تشكيل الاقتصاد الإيراني بعد هذه الحرب، ولمن ستذهب ثمار إعادة البناء إذا خرجت إيران منها خاسرة استراتيجيًا أو منهكة اقتصاديًا؟
فإيران، رغم سنوات العقوبات والضغوط الطويلة، ليست اقتصادًا هامشيًا يمكن احتواؤه بسهولة. فالناتج المحلي الإجمالي الاسمي يقترب من 375 مليار دولار، بينما يصل إلى ما يقارب 1.8 تريليون دولار عند احتسابه وفق تعادل القوة الشرائية، وهو ما يعكس حجم سوق داخلي ضخم وقوة استهلاكية كامنة. كما تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدّر بنحو 155 إلى 160 مليار برميل، إضافة إلى ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي يقارب 34 تريليون متر مكعب. هذه الأرقام تعني أن مصير إيران الاقتصادي لا يخصها وحدها، بل يرتبط مباشرة بتوازنات سوق الطاقة العالمية.
وفي ظل الحرب الجارية، يدرك الجميع أن أي نتيجة استراتيجية للصراع ستنعكس مباشرة على خريطة الطاقة الدولية. فإذا انتهت الحرب بإضعاف إيران اقتصاديًا أو بإجبارها على إعادة الانخراط في النظام المالي العالمي بشروط جديدة، فإن قطاع الطاقة الإيراني سيكون أول ساحة لإعادة التشكيل. فحقول النفط والغاز الإيرانية تحتاج إلى استثمارات تتجاوز 200 إلى 300 مليار دولار خلال العقد المقبل لإعادة تأهيل البنية التحتية ورفع الإنتاج إلى مستوياته الكاملة. وهذه الاستثمارات لن تأتي بلا شروط سياسية واقتصادية، بل ستفتح الباب أمام شركات الطاقة الكبرى، خاصة الغربية، كما حدث في العراق بعد عام 2003 عندما دخلت شركات مثل ExxonMobil وChevron وBP لإدارة وتطوير الحقول.
بهذا المعنى، يمكن أن تتحول كلفة الحرب، التي قد تبلغ مئات المليارات من الدولارات، إلى فرص اقتصادية طويلة الأمد في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وخصخصة الشركات الكبرى. وغالبًا ما تترافق هذه العمليات مع خطوات اقتصادية معروفة، تحرير العملة، إعادة ربط النظام المصرفي بالنظام المالي العالمي، إدخال برامج إصلاح اقتصادي بإشراف المؤسسات الدولية، وفتح السوق المحلية أمام الاستثمارات الأجنبية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الاقتصاد الإيراني سيعاد دمجه في النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن بشروط مختلفة عمّا كان عليه قبل الحرب.
اقتصاديًا، فإن عودة إيران بكامل طاقتها الإنتاجية إلى سوق النفط قد تضيف ما بين 2 إلى 3 ملايين برميل يوميًا فوق مستوياتها الحالية، وهو ما يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على الأسعار العالمية ويمنح الولايات المتحدة وأوروبا ورقة ضغط إضافية في مواجهة روسيا ومنتجي “أوبك بلس”. وفي سوق الغاز أيضًا يمكن لإيران أن تصبح موردًا مهمًا لآسيا وأوروبا إذا أُعيد دمجها في منظومة الطاقة العالمية، وهو ما قد يحدّ من النفوذ الروسي في بعض الأسواق.
غير أن هذه التحولات لا تحدث في فراغ. فالصين، التي أصبحت الشريك التجاري الأهم لإيران خلال سنوات العقوبات، قد تجد نفسها الخاسر النسبي الأكبر إذا تحولت إيران بعد الحرب نحو انفتاح اقتصادي واسع على الغرب. فقد استفادت بكين طوال السنوات الماضية من النفط الإيراني المخفّض ومن قدرة طهران على بيع الطاقة خارج النظام المالي التقليدي. أما إذا عاد النفط الإيراني إلى السوق العالمية بشروط جديدة، فإن هذه الأفضلية ستتراجع، وسيتحول النفط الإيراني إلى سلعة تنافسية مفتوحة في الأسواق الدولية. وينطبق الأمر نفسه على روسيا، التي بنت مع إيران علاقات تعاون اقتصادية وسياسية في ظل العزلة الغربية، لكن إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي قد تقلل من أهمية هذا التقارب.
ومع ذلك، فإن خسارة إيران للحرب، إن حدثت، لا تعني تلقائيًا انتعاشًا اقتصاديًا سريعًا. فاقتصاد خضع لعقوبات طويلة وتغلغلت فيه مؤسسات أمنية مثل الحرس الثوري لن يتحول بين ليلة وضحاها إلى اقتصاد سوق مفتوح وشفاف. بل من المرجح أن تظهر صراعات داخلية حول إعادة توزيع الثروة والنفوذ، وقد تتفكك شبكات القوة القديمة لتفسح المجال أمام أوليغارشيات اقتصادية جديدة. وهنا يبرز خطر تكرار التجربة العراقية، موارد طبيعية هائلة، لكن اقتصادًا مثقلًا بالفساد والبطالة والفوارق الاجتماعية.
من زاوية أوسع، لا تقتصر المكاسب المحتملة للولايات المتحدة على الجانب الاقتصادي. فإضعاف إيران أو تغيير موقعها في معادلة المنطقة سيعيد رسم توازنات الشرق الأوسط. دول الخليج ستشعر بقدر أكبر من الأمان الاستراتيجي، بينما ستعتبر إسرائيل أن أكبر تهديد عسكري إقليمي لها قد تراجع أو تقلص. كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية، وتحويل المنطقة من ساحة صراع مفتوح إلى ساحة إعادة توزيع نفوذ.
لكن هذه الصورة تبقى مشروطة. فإيران ليست مجرد نظام سياسي، بل مجتمع كبير ومعقد يتجاوز عدد سكانه 88 مليون نسمة، وتضم تركيبة قومية متعددة تشمل الكورد والعرب والبلوش وغيرهم. وأي انهيار غير منظم قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية واسعة، أو إلى تفكك في بعض الأطراف، ما قد يحول الحرب من عملية إعادة تشكيل سياسي إلى فوضى إقليمية مفتوحة، في مثل هذا السيناريو قد ترتفع أسعار النفط عالميًا إلى مستويات غير مسبوقة، وقد تتعطل الملاحة في الخليج، وتتوسع أدوار القوى غير الدولتية.
هنا يظهر التناقض في الاستراتيجية الأمريكية؛ فواشنطن تسعى إلى إضعاف إيران وتغيير سلوكها، لكنها لا ترغب في انهيارها أو تفككها، لأن الفراغ الاستراتيجي في دولة بحجم إيران قد يخلق أزمة إقليمية أخطر من الأزمة الحالية. ومع ذلك، أبقت الولايات المتحدة خيار التفكيك مطروحًا كاحتمال أخير، وهو خيار ترفضه معظم دول العالم، بينما تبدو إسرائيل الأكثر اندفاعًا نحوه.
لذلك فإن البعد الاقتصادي في هذه الحرب ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جوهر الصراع نفسه. فمستقبل إيران بعد هذه الحرب لن يحدد فقط شكل اقتصادها الداخلي، بل سيؤثر أيضًا في توازنات الطاقة العالمية، وفي موقع القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وفي شكل النظام الاقتصادي الإقليمي لعقود قادمة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد، من سيربح الحرب عسكريًا؟ بل، كيف ستُعاد صياغة إيران اقتصاديًا بعد الحرب، ولصالح من، وبأي كلفة اجتماعية وسياسية على شعبها والمنطقة بأكملها؟
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
4/3/2026م