عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*
يعاني جميع شعوب العالم، بدرجات متفاوتة، من النظام الديني الحاكم في إيران. ولهذا السبب، يطالب الجميع بإسقاط هذا النظام الدكتاتوري وإنهائه. وفي تصريحات حادة وغير مسبوقة، أعلنت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن “47 عاماً من التسامح وإفساح المجال لأكبر راعٍ لإرهاب الدولة في العالم قد انتهت”.
وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بحقيقة أن سياسة الاسترضاء التي اتبعها الغرب مع دكتاتورية ولاية الفقيه قد سمحت لهذه الدكتاتورية بالاستمرار لمدة 47 عاماً، لتصبح الآن تهديداً كبيراً لدول المنطقة والعالم. هذه جوانب لا يمكن إنكارها في التاريخ.
لقد تجاوز حل القضية الإيرانية الآن “نقطة تحول”. ماذا سيحل بإيران بعد إسقاط نظام الدكتاتورية الدينية؟ من هذه النقطة المحددة تبدأ “حرب الاستراتيجيات”. بعبارة أخرى، السؤال المطروح هو “متى” سينتهي هذا النظام، وما هو التحول الذي سيحدث في إيران والشرق الأوسط بعد نهاية هذه الدكتاتورية؟
هل ستعم الفوضى في المنطقة؟ هل سيعيد التاريخ نفسه لتتشكل دكتاتورية أخرى في إيران؟ هل ستعود الدكتاتورية السابقة، أي دكتاتورية نظام الشاه، إلى إيران؟ هل سيظهر النظام الديني الإيراني بأشكال أخرى، وفي النهاية، ماذا سيفعل المجتمع الدولي حيال ذلك؟ هذه أسئلة يمكن إضافة المزيد إليها. ولكن ما يبدو صحيحاً هو وجود “استراتيجية أفضل” تتفوق على جميع أشكال الاستراتيجيات الأخرى.
الحرب الخارجية
لقد بدأت الحرب الخارجية ضد الدكتاتورية الدينية منذ فترة. وقد أعلنت المقاومة الإيرانية مراراً وتكراراً أن الحل لا يكمن في الحرب الخارجية، ولن يؤدي ذلك إلى حل القضية الإيرانية. تماماً كما أن الحل لم يكن في استرضاء هذه الدكتاتورية. البعض يوجه أنظاره إلى داخل النظام، والبعض الآخر يعول على الآخرين والتبعية. هناك من يسعى لتغيير خريطة الشرق الأوسط، وآخرون يراهنون على الحرب الخارجية! لكن كل هذه الأمور التي تُطرح في إطار استراتيجيات هي في الواقع “استراتيجيات خاطئة” تصب في النهاية في مصلحة اللعب في ملعب الدكتاتورية. لأن منطلق كل هذه الاستراتيجيات هو “الضعف وموقف الدفاع” أمام الدكتاتورية، وتكلفتها الباهظة تُدفع من جيوب الشعب الإيراني وشعوب المنطقة. وهذا ما يدركه النظام جيداً قبل أي شخص آخر. المؤشر على هذه الاستراتيجية هم أنصار الشاه الذين لا يفتقرون إلى قاعدة شعبية بين الإيرانيين فحسب، بل يحملون أيضاً رسالة مفادها: “اذهبوا وأسقطوا النظام حتى أصبح أنا شاهاً لإيران ويصبح نظام الحكم ملكياً وراثياً”. هذا هو الجانب المظلم من التاريخ والسخرية المريرة لعدم دفع الثمن والتبعية للدول الأخرى.
الفوضى بعد إسقاط النظام الإيراني
بفضل وجود البديل، لن تحدث فوضى في إيران بعد إسقاط النظام الإيراني. لقد أعلنت المقاومة الإيرانية مراراً وتكراراً أنها تعمل من أجل “نقل السيادة إلى الشعب الإيراني” وليس من أجل الاستيلاء على السلطة. إن رسالة حاملي هذا النمط من التفكير هي الركود ورفض أي نشاط ضد الدكتاتورية. وبالتالي، فإن مصدر هذا التفكير هو الدكتاتورية الحاكمة نفسها!
والآن، السؤال هو ما هي “الاستراتيجية الأفضل”؟ بعبارة أخرى، ماذا يجب أن يُفعل لكي تستفيد شعوب المنطقة، والشعب الإيراني على وجه الخصوص! وبشكل أوضح، أين تكمن مصالح الشعب؟
لقد أعطى النظام الدكتاتوري “العنوان الصحيح” بلسانه منذ سنوات. والشعب الإيراني والقوى السياسية الإيرانية يعرفون ذلك أيضاً: “الاسم الأكثر احمراراً في إيران، والذي يحمل الاستراتيجية الأفضل”.
التغيير التدريجي أو إصلاح النظام!
تعوّل بعض وجهات النظر على إصلاح النظام. هذا النهج عالق في الماضي، وكما تقول المقاومة الإيرانية: “الأفعى لا تلد حمامة”. إن اختيار مجتبى خامنئي بعد وفاة علي خامنئي هو أحدث دليل على هذه الحقيقة. لأنه في داخل نظام دكتاتوري، لا يمكن العثور على شخص ديمقراطي “غير ملوث بالدكتاتورية” وإصلاحي. ولذلك، فإن الاستراتيجيات التي تعتمد على مثل هذه الرؤية هي “خاسرة” سلفاً وتخدم بقاء الدكتاتورية، حتى وإن كانت تحمل أوهام تقسيم إيران. مثل هذا المسار مليء بالعقبات ومتاهة تجعل طريق الوصول إلى الحرية والديمقراطية وعراً.
الحل الثالث، الطريق الأفضل
إن حاملي وأصحاب هذا الحل طالما رفضوا، ولا يزالون يرفضون، استرضاء الدكتاتورية الدينية والحرب الخارجية ضد النظام الديني الإيراني منذ سنوات. إنهم يطالبون بـ “الاعتراف الرسمي” بالمقاومة. وتجاهل هذا المطلب يدفع الحكومات والتيارات الأخرى للتفكير في استراتيجيات أخرى أو حتى اختيارها، وهو ما يعد بحد ذاته تجاهلاً لمصالح الشعب الإيراني ودماء شباب إيران والمنطقة. كما يرى هذا الحل أن العامل الرئيسي للعنف هو النظام الدكتاتوري الحاكم، ولا يمكن إسقاط النظام الدكتاتوري إلا بالقوة. ويعتقد أصحاب هذا الحل أيضاً أن الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وشعار الحرية والاستقلال أمران لا ينفصلان. وإذا تم انتهاك أي من هذه العوامل الثلاثة، فإن ذلك يعتبر لعباً في ملعب العدو ويؤدي إلى بقاء الدكتاتورية. ولهذا السبب، فإن شعار “لا لنظام الشاه، ولا لنظام الملالي” هو “حدود سياسية” قبل أن يكون مجرد شعار. ومن المتطلبات الأخرى للحل الثالث هو الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية. وأي قوة توجه أنظارها إلى غير ذلك ستكون في الجانب الخاسر!
إن الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية هي المحطة والوجهة الأولى للشعب الذي عقد العزم على إسقاط الدكتاتورية في إيران. وأساس هذه الحكومة هو منصة تعتمد على مبدأي “الجمهورية” و”الديمقراطية”. نظام يكون فيه الشعب “حراً” في أي خيار يتخذه، وهو خطوة نحو المستقبل. هذه هي الاستراتيجية الأفضل!
***
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني