سوسن ديكو
JIN, JIYAN, AZADÎ
Azadîya civakê bi azadîya jinê dest pê dike.
(حرية المجتمع تبدأ بحرية المرأة)
[ لا يُقاس تقدّم المجتمعات بما تقوله عن المرأة… بل بما تمنحه لها من حقوق وسلطة وكرامة ]
في اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نتبادل الكلمات الجميلة أو عبارات التقدير. فهذه المناسبة ليست للاحتفال الرمزي فقط، بل هي لحظة صادقة لمساءلة الضمير الإنساني: ماذا فعل العالم حقًا من أجل نصفه الآخر؟
في عالمٍ يتحدّث كثيرًا عن التقدم، ما تزال نساء كثيرات يدفعن أثمانًا قاسية لمجرد أنهن نساء. هناك من قُتلن لأن المجتمع فشل في حماية حقهن في الحياة، وأخريات تحوّلت أجسادهن في الحروب إلى ساحة انتقام عبر الاغتصاب، في واحدة من أبشع الجرائم التي يمكن أن تُرتكب بحق الإنسان وكرامته.
وهناك نساء يخضن معارك صامتة داخل بيوتهن، حيث يُخنق العنف الأسري بالصمت والخوف، بينما يواصل العالم الحديث عن العدالة والمساواة.
ولم يتوقف الظلم عند حدود العنف. فهناك نساء يقبعن خلف القضبان… معتقلات لأنهن طالبن بالحرية، أو لأن كلمةً نطقن بها كانت أعلى من أن يحتملها الاستبداد. نساء دفعن حريتهن ثمنًا للحقيقة، فصارت الزنازين شاهدًا على شجاعتهن، وعلى خوف السلطة من صوت امرأة حرة.
لكن الإقصاء الأخطر يتجلى في بنية السياسة نفسها، حين تُغيب المرأة عن مواقع القرار، وحين تُحرم من الوصول إلى المناصب العليا، وكأن إدارة الشأن العام حقٌ حكرٌ على الرجال. هذا الإقصاء ليس مجرد خلل عابر، بل نتيجة ثقافة وقوانين وهياكل سلطة ما زالت تنظر إلى المرأة كمواطنةٍ من درجةٍ أقل.
بل إن كثيرًا من الدساتير التي تنظّم حياة الشعوب كُتبت عبر التاريخ دون مشاركة حقيقية للنساء، وكأن نصف المجتمع لا يملك الحق في صياغة القواعد التي تحكم حياته.
كيف يمكن أن يكون الدستور عادلًا إذا لم تُشارك المرأة في كتابته؟
وكيف يمكن أن تكون السلطة ممثلة للمجتمع إذا بقيت المرأة بعيدة عن قمة القرار؟
إن المجتمعات التي تُقصي النساء عن القيادة لا تظلم النساء فقط، بل تظلم نفسها أيضًا، لأنها تتخلى طوعًا عن نصف العقل، ونصف الحكمة، ونصف القدرة على بناء المستقبل.
فالمرأة ليست تفصيلًا في تاريخ البشرية، بل شريك كامل في صناعته. حملت الحياة في رحمها، وأسهمت في بناء المجتمعات بصبرٍ وقوة، وكانت في كثير من الأحيان الحارس الأخير للأمل حين خذلت السياسة الإنسان.
لذلك فإن قضية المرأة ليست شعارًا يُرفع في يومٍ واحد، ولا مناسبةً عابرة في رزنامة العالم. إنها قضية عدالة إنسانية تبدأ من حماية المرأة من العنف، وتمر عبر ضمان حقوقها المدنية والسياسية الكاملة، وتصل إلى مشاركتها المتساوية في كتابة الدساتير وصناعة القرار وتولي مواقع القيادة.
فالعدالة التي لا تشمل المرأة… ليست عدالة.
فالمجتمع الذي لا يحمي نساءه، ولا يمنحهن حقهن الكامل في الحرية والقرار، هو مجتمع لم يكتمل عدله بعد.
نريد للمرأة العدالة لا الشفقة، والحقوق لا الوعود، والقيادة لا الهامش.
نريد لها مكانها الكامل في قلب المجتمع وفي صناعة مستقبله.
نريد للمرأة كل الحياة… لأنها ببساطة الحياة نفسها.
حين تُنصف المرأة… يبدأ العالم بالتعافي.
سوسن ديكو ، فيينا
8,3,2026