أزاد خليل *
ليس خافياً أن الثقة بالأمريكيين وصلت إلى مستويات متدنية، بل إلى حدّ انعدام الثقة لدى قطاعات واسعة من الكورد، خاصة بعد نكبة روج آفا، وقبلها نكسة الاستفتاء في إقليم كوردستان. تراكمُ الخيبات صنع وعياً قاسياً مفاده أن التحالفات في هذه المنطقة لا تُبنى على الأخلاق، بل على المصالح، وأن الصديق في لحظة ما قد يتحول إلى ورقة تفاوض في لحظة أخرى.
لكن، بعيداً عن العاطفة، علينا الاعتراف بحقيقة مُرّة: نحن الحلقة الأضعف في الشرق الأوسط. الثروات والتجارة والسلطة بيد خصومنا، والقرار السيادي موزّع بين عواصم ترى في أي صعود كوردي تهديداً مباشراً. في مثل هذه البيئة، يصبح عقد الصفقات مع الذئاب أسهل حين نكون نحن السلعة، في ظل غياب تحالف استراتيجي مختلف عن العرب والفرس والأتراك.
الجغرافيا التي نعيش فوقها ليست مجرد أرض؛ إنها عقدة مواصلات وصراعات. في هذه الجغرافيا الملعونة، قدرة العدو على المناورة والتواصل وتقديم التنازلات لبعضه البعض تكون أسهل، لأن التحالف ضد الكورد يتحول إلى قاسم مشترك رغم كل التناقضات. تركيا وإيران والعراق ودمشق قد تختلف في ملفات كثيرة، لكنها تلتقي عند منع تشكل كيان كوردي قوي.
الدول لا تتعامل مع الضعفاء إلا عند الحاجة. تحالف قسد – أمريكا كان مثالاً واضحاً على ذلك. حين احتاجت واشنطن قوة برية منضبطة تقاتل داعش وتقطع الطريق على التمدد الإيراني في شمال شرق سوريا، كانت قسد الخيار الأنسب. لم يكن الأمر مرتبطاً فقط بمحاربة داعش، بل أيضاً بحسابات أوسع تمسّ توازن القوى مع إيران، ومصالح إسرائيل التي لا ترغب في تعاظم نفوذ حلفاء طهران على حدودها غير المباشرة.
لكن التحالفات المؤقتة لا تعني شراكات دائمة. جرى إنهاك النظام السوري بالعقوبات ودعم خصومه، وتبدلت خرائط النفوذ تدريجياً، وكان الثمن في لحظة معينة هو قسد نفسها، بوصفها الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية أكبر. صفقات عُقدت، وأوراق أُحرقت، ومصالح أُعيد ترتيبها على حساب كورد سوريا.
اليوم، ومع تصاعد التوتر مع إيران، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. إذا افترضنا أن إسرائيل تضع على قائمتها ثلاث قوى كبرى تسعى إلى إضعافها أو تفكيكها: إيران أولاً، ثم تركيا، ثم مصر، فإن “الخطة الأولى” بطبيعة الحال تبدأ بطهران. لكن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، لا تُسقط أنظمة. هي تُضعف، تُربك، تُدمّر بنى تحتية، لكنها لا تحسم المعركة. الحسم يحتاج إلى قوة برية منظمة تتقدم على الأرض.
هنا يعود السؤال الكوردي إلى الواجهة. في إيران، يختلف المشهد عن سوريا. تركيا لا تستطيع بسهولة إعلان حرب مفتوحة على طهران، ولا يمكنها في الوقت ذاته التحالف علناً مع واشنطن ضدها دون أثمان باهظة. الجولاني لا يملك تأثيراً حاسماً في المعادلة الإيرانية، والحدود العراقية تشكل عقدة مع وجود قوى شيعية موالية لطهران. أما إقليم كوردستان العراق، فهو محاصر جغرافياً وسياسياً، ولن يغامر بدخول حرب إقليمية شاملة.
يبقى كورد روجهلات في قلب المعادلة الافتراضية. من منظور عسكري بحت، قد يُنظر إليهم كقوة برية محتملة إذا ترافقت مع دعم جوي ولوجستي خارجي. لكن هنا يكمن الخطر الأكبر: الدخول في معركة بهذا الحجم دون ضمانات سياسية واضحة قد يفتح الباب أمام تكرار سيناريو الغدر. إسقاط نظام دون اتفاقات مُسبقة حول شكل الدولة المقبلة يعني أن الحلقة الأضعف قد تُستبدل بأخرى، لا أكثر.
هل هناك بديل؟ نظرياً، يمكن تصور تدخل عربي واسع، لكن الواقع يقول إن معظم الدول العربية تخشى كلفة المواجهة المباشرة مع إيران، سواء اقتصادياً أو أمنياً. وهكذا يعود الميزان مرة أخرى إلى الكورد، كخيار تدركه مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، وتضعه ضمن حساباتها الباردة.
الأسابيع المقبلة، إن شهدت تصعيداً حقيقياً، قد تحمل تكثيفاً للضربات الجوية وربما محاولة لفتح جبهات برية. إنها مغامرة خطرة بكل المقاييس؛ قد تكون فرصة تاريخية لولادة كيان كوردي في شرق إيران، وقد تتحول إلى نكبة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الانتفاضات المؤجلة والوعود المكسورة.
في النهاية، لا تسقط الأنظمة بالشعارات، ولا تولد الدول بالرغبات. ما يجري في الكواليس أكبر من التصريحات، وأعمق من التحليلات السطحية. وإذا كان قرار مواجهة واسقاط نظام طهران قد اتُّخذ فعلاً في عواصم مؤثرة، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الكورد على أنفسهم ليس: هل نشارك أم لا؟ بل: بأي شروط نشارك، ولصالح من، وما هو الثمن الذي لن نقبل بدفعه مرة أخرى؟
* كاتب وباحث سياسي