لم تعد المجاملة مقبولة… القيادة مسؤولية لا امتياز

شادي حاجي
يمرّ الشعب الكردي في سوريا بمرحلة مصيرية غير مسبوقة. التحديات تتعاظم، التحالفات تتبدّل، الخرائط السياسية يُعاد رسمها، والحقوق لا تُمنح مجاناً بل تُنتزع انتزاعاً. وفي خضمّ هذه التحولات الخطيرة، لم يعد ممكناً الاستمرار بعقلية الإدارة التقليدية أو الاكتفاء بخطاب عاطفي لا يسنده فعل سياسي حقيقي ورؤية استراتيجية واضحة.
العالم من حولنا يتغيّر بسرعة غير مسبوقة. موازين القوى تُعاد صياغتها، والتحالفات تُبنى على المصالح لا على الشعارات، والقوة – بأشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية – باتت تتحكم إلى حدّ بعيد بمصائر الشعوب والدول. التاريخ لا يُكتب لاحقاً، بل يُكتب الآن، في غرف القرار الكبرى، وفي ميادين الصراع المفتوحة في منطقتنا.
التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد أحداث عابرة، بل تعبير واضح عن مرحلة إعادة تشكيل عميقة للشرق الأوسط. وأي شعب لا يقرأ هذه التحولات بوعي استراتيجي، ولا يتموضع ضمنها بحسابات دقيقة، قد يجد نفسه خارج المعادلة أو ضحيةً لتقلباتها.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
العمل في موقع سياسي رفيع ليس وجاهة اجتماعية ولا مكافأة حزبية.
من يجلس في موقع قيادي ويدّعي تمثيل شعبٍ عانى من التهميش والإنكار والظلم والاضطهاد، عليه أن يمتلك أدوات الدولة، لا مجرد لغة الشعارات.
القضية الكردية اليوم لا تحتاج إلى خطباء، بل إلى رجال ونساء دولة يفهمون:
كيف تُدار الصراعات الدولية.
كيف تُبنى التحالفات الاستراتيجية.
كيف تعمل المؤسسات الدولية وآلياتها القانونية.
كيف يُخاطَب العالم بلغة المصالح دون التفريط بالثوابت.
المرحلة تتطلب فهماً عميقاً للقانون الدولي، وإتقاناً للغة الدبلوماسية، وقدرة حقيقية على التفاوض تحت الضغط. من لا يتقن هذه الأدوات، يضعف موقع شعبه على طاولة أي حوار أو تسوية.
كما أن الانقسامات الداخلية، والصراعات الحزبية الضيقة، لم تعد أخطاءً عابرة يمكن تبريرها. إنها تتحول في هذه اللحظة التاريخية إلى عبء خطير يهدد بتبديد التضحيات وإضاعة الفرص. العالم لا ينتظر المترددين، ولا يمنح وزناً لمن لا يمتلك رؤية موحدة ومشروعاً سياسياً واضحاً.
لنكن صريحين:
من لا يملك الكفاءة الفكرية والسياسية، ومن لا يتابع التحولات الدولية بوعي، ومن لا يجيد بناء العلاقات والتأثير في مراكز القرار، عليه أن يراجع موقعه بشجاعة. فالمسؤولية الوطنية تقتضي إفساح المجال لمن هو أقدر، لأن القضية أكبر من الأسماء، وأسمى من المواقع، وأغلى من الحسابات التنظيمية.
الشعب الكردي في سوريا لا يحتاج إلى إدارة أزمة دائمة، بل إلى قيادة تمتلك مشروعاً سياسياً متكاملاً، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وشجاعة اتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة.
لقد انتهى زمن المجاملات السياسية.
إما قيادة على مستوى المرحلة…
وإما اعتراف صريح بعدم القدرة وفتح الطريق أمام كفاءات جديدة.
فالتاريخ يُكتب الآن، ومن لا يكون على مستوى اللحظة، سيجد نفسه خارجها.
وإلى مستقبلٍ أفضل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…