غلبة إرادة المقاومة والاحتجاج على حراب الاستبداد

نظام مير محمدي *

 

شهد الفضاء السياسي والاجتماعي في إيران خلال الأيام الأخيرة تحولاً جذرياً وحاسماً. فالجامعة، هذا الخندق العريق للحرية، قد هبت من جديد، مبعثرةً حسابات غرف عمليات القمع التابعة لولاية الفقيه. إن استمرار التظاهرات الطلابية في جامعات طهران وبقية مدن الوطن، وذلك عقب القمع الدموي لانتفاضة يناير (كانون الثاني)، يحمل رسالة واضحة وقاطعة للسلطة: إن النار تحت الرماد قد اشتعلت، ولم يعد الترهيب يجدي نفعاً.

 

فشل الحسابات الأمنية و”ذهول” أجهزة القمع

لقد اعتقد مسؤولو النظام وقادة الحرس الثوري، في خطأ حسابي فادح، أنهم عبر عمليات القتل والاعتقالات الواسعة وخلق أجواء الثكنات العسكرية في المجتمع بعد انتفاضة “دي”، قد تمكنوا من خنق صوت الاحتجاج. كانت تصوراتهم الذهنية توحي بأنهم رفعوا تكلفة الاحتجاج إلى حدٍّ لا يجرؤ معه أحد على الصراخ. إلا أن النهضة البطولية للطلاب في الأيام الأخيرة جاءت بمثابة “صدمة” ثقيلة ومربكة لجسد الجهاز الأمني المترهل.

وتشير التقارير إلى أن قوات “الحراسة” والمؤسسات الاستخباراتية للنظام قد فوجئت بحجم وكثافة هذه الاحتجاجات. فهم لم يتوقعوا أنه في الوقت الذي ظنوا فيه أنهم فرضوا “هدوء المقابر”، ستتحول الجامعات إلى مراكز فوارة بالنهضة. هذا الغدر بالحسابات يظهر الفجوة العميقة بين حقائق المجتمع وأوهام الحكام الذهنية.

 

هتافات كاسرة للقيود وتجاوز لكلية النظام

ما يميز الانتفاضة الأخيرة عما سبقها، ويثير ذعراً مضاعفاً لدى الملالي، هو طبيعة الشعارات ودقة استهداف المعترضين. فالطلاب الواعون، جنباً إلى جنب مع “الشباب الثائر”، لم يعودوا يرفعون مطالب فئوية أو إصلاحية؛ بل استهدف نصل الهجمات مباشرة شخص علي خامنئي وجهازه القمعي بالكامل.

إن راديكالية الشعارات تظهر أن الجامعة لم ترتعب فحسب، بل وصلت إلى نضج كفاحي لا يتصور حلاً إلا بإزالة بساط الاستبداد الديني. فالشعارات التي دوت في باحات جامعات طهران، وأمير كبير وبهشتي، وغيرها من المراكز العلمية، هزت أركان بيت خامنئي وأثبتت أن الجيل الشاب حاضر في الميدان بأكثر شجاعة وتحرراً من الخوف من أي وقت مضى.

 

الاعتراف القسري بـ “الغضب المتأجج” للمجتمع

بلغت شدة هذه الأمواج الاحتجاجية حداً لم يستطع معه حتى مسؤولو الحكومة المنصبة إنكارها. فقد اضطر المتحدث باسم حكومة بزشكيان، في تصريحات تظهر الاستعصاء والمأزق الحاكم، إلى الاعتراف وتحدث عن “الغضب المتأجج” و”عصبية المجتمع الملتهب”. وأقر بأنه لا يمكن إنكار حقيقة النهضة الطلابية.

هذه الاعترافات على لسان كبار مسؤولي النظام هي وثيقة واضحة على فشل كافة الخطط المخادعة ووعود “الوفاق” الكاذبة. فعندما يعترف المتحدث باسم الحكومة نفسه بـ “الالتهاب” و”الغضب”، فهذا يعني أن كافة أدوات الاحتواء والضبط الاجتماعي قد فقدت فاعليتها، وأن المجتمع بات على أعتاب انفجار أكبر.

 

فشل خطط الردع: استدعاءات وفصل بلا جدوى

رداً على هذه النهضة، لجأ جهاز القمع إلى أساليبه المعهودة والمستهلكة؛ حيث شكلت الموجة الواسعة من استدعاء الطلاب للجان الانضباط، وإصدار أحكام التعليق والمنع من دخول الجامعات في طهران والمحافظات، محاولة يائسة لاحتواء هذا السيل الهادر. إلا أن التقارير الميدانية تظهر أن هذه الإجراءات الاستفزازية قد أعطت نتائج عكسية.

فبدلاً من الصمت، ازداد التضامن الطلابي وامتد نطاق الاحتجاجات لليوم الخامس على التوالي. وأثبت الطلاب، بصمودهم أمام الأحكام الجائرة ودعم زملائهم الموقوفين، أن الجامعة لم تعد الفناء الخلفي للمؤسسات الأمنية. هذا الصمود حطم الهيبة الواهية للجان الانضباط و”الحراسة”، وأظهر أن “الثوار” والطلاب المناضلين لا يرهبهم الورق الإداري ولا التهديدات الأمنية.

 

رسالة الاحتجاجات والهجوم في طليعة الربيع

تحمل نهضة الجامعات في شهر فبراير (شباط) رسالة استراتيجية. فهذه الاحتجاجات، وهي على أعتاب ربيع الطبيعة وعيد النوروز القديم للإيرانيين، تبشر بربيع الحرية والديمقراطية في إيران، وهو ما سيترجم إلى كابوس السقوط للملالي. إن التحام الطلاب الطليعيين مع “الشباب الثائر” في الشوارع خلق تركيباً قوياً لا تستطيع أي قوة قمعية مواجهته.

والأهم من ذلك؛ بالتزامن مع الاحتجاجات الطلابية الواسعة في جامعات إيران، وبشكل خاص في جامعات طهران الكبرى، شنت “وحدات المقاومة” التابعة لمجاهدي خلق إيران، صباح يوم الاثنين ۲۳ فبراير (شباط)، هجوماً مباغتاً وثقيلاً على مقر خامنئي شديد الحراسة وعلى مراكز القوة الرئيسية مثل: مقر رئاسة السلطة القضائية، مقر وزارة الاستخبارات، مقر مجلس صيانة الدستور، مقر مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومقر مجلس الخبراء، وغيرها. وقد أصدرت هيئة أركان مجاهدي خلق في داخل البلاد بياناً بهذا الخصوص أشارت فيه إلى تفاصيل هذه العمليات الهجومية. كما نشر كل من “مايك بومبيو”، وزير الخارجية الأمريكي السابق، و”رودي جولياني”، عمدة نيويورك السابق، هذا الموضوع على حساباتهم في منصة (X).

في المقابل، يحاول النظام الإيراني، وبسبب أهمية هذه العملية الصادمة في قلب طهران ومركز الحكم الرئيسي وما تلاها من أصداء سياسية واجتماعية واسعة، منع انتشار الخبر أو تكذيبه بكافة الوسائل الممكنة.

إن النظام الذي كان يظن أنه أغلق ملف الاحتجاجات ونشاطات الشباب الثائر بقمع يناير، يواجه الآن حقيقة مرة للغاية: الجامعات هادرة ولن تهدأ حتى نيل الحرية. لقد زادت وحدات المقاومة التابعة لمجاهدي خلق من نطاق ونوعية نشاطاتها، وهذه الصدمة الأمنية هي بداية لعهد جديد من المواجهة بين الشعب والسلطة؛ العهد الذي ستنتصر فيه الإرادة الفولاذية للجيل الشاب على حراب الاستبداد المتآكلة.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الشيخ امين كلين Shikemin Gulin ياسادة الافاضل : اصبح الرقم 13 رمزا مهما للشعب الكردي في سورية ، حفظه كل سوري يحب بلده وبكل مكوناته ، منذ قيام الدولة السورية وبعد انهيار الدولة العثمانية 1918 كانت النظرة الى الاكراد نظرة الريبة والشكوك بانهم غرباء ، نسوا لابل…

شادي حاجي المشكلة في سوريا ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل بنية دولة قامت تاريخياً على إنكار التعدد القومي. لذلك فإن أي اتفاق بين دمشق والقوى الكردية لن يكون ذا قيمة ما لم يتضمن ضمانات دستورية واضحة وغير قابلة للالتفاف. الكرد لا يفاوضون على تحسين إدارة محلية، بل على اعتراف دستوري ينهي عقوداً من التهميش. وأي صيغة بلا تحصين قانوني…

خالد حسو في أقصى غرب كوردستان، وفي أقصى شمال غربي سوريا، حيث تتكئ التلال على زرقة السماء وتتنفس الأرض بعمق تاريخها، تمتدّ عفرين بوصفها إحدى المناطق الكوردية الراسخة في هويتها الثقافية والقومية والجغرافية . تتشكل الحياة فيها حول الأرض والانتماء، ويعيش الكورد بذاكرتهم ولغتهم وتقاليدهم، ويعبّر الشعب الكوردي عن حضوره اليومي عبر العمل والصمود والحفاظ على التراث . في عفرين،…

الدكتور احمد رشيد تنطلق تساؤلات الأستاذ شكري بكر من قراءة تاريخية معروفة لمسار الحركة الكوردية في سوريا، وهي قراءة تُلامس بعض الوقائع، لكنها تتوقف عند حدود تشخيص الماضي أكثر مما تذهب إلى تفكيك مأزق الحاضر. فالمشكلة الكردية اليوم لا تكمن فقط في الانقسامات السابقة أو في تدخلات حزب العمال الكوردستاني بل في عجز البُنى القائمة عن إنتاج مشروع وطني جامع…