عنايت ديكو
بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم.
ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا، أردنا أن نتوقف عند جملة من النقاط الغامضة المرتبطة بالعمل والنشاط والمشهد السياسي والميداني، وما يرافقه من إرهاصات ودعمٍ وتأييدٍ مباشر أو غير مباشر من الدولة والاستخبارات التركية، في محاولة لإعادة توجيه المسار الكوردي السوري بما يخدم أجنداتها.
بعد دخول تركيا على خط الاحتلال، وفرضها أجنداتها لرسم مستقبل سوريا سياسياً وأمنياً، تيقنت هولير خطورة المرحلة، وحاولت التقدم إلى خطوط التماس دفاعاً عن أمنها القومي، وهو حق مشروع، إذ إن أي انهيار أو خلل في كوردستان سوريا ستكون نتائجه وخيمة وكارثية في اليوم التالي على هولير نفسها. ومن هنا، تقدمت هولير إلى العمق السوري، وأرسلت رسائل طمأنة إلى دمشق وغيرها، وسعت بجدية إلى نزع الملف الكوردي من أيدي التيار الآبوجي، الذين يقدّمون أوراق اعتمادهم لكل الأطراف، وفقاً لمصالح هذا اللاعب أو ذاك.
وانسجاماً مع إدارة هولير للملف الكوردي في سوريا، ونتيجة سوء الفهم والتقدير والممارسات الخاطئة لبعض لاعبي الاحتياط في المجلس الوطني الكوردي، جرى وضع البعض منهم على الهامش مؤقتاً، مع الاعتماد على التيار القومي داخل PYD، وتحديداً تيار مظلوم عبدي، الذي يجري العمل عليه كوردياً وغربياً منذ فترة ليست بالقصيرة.
في هذا السياق، ظهرت أصوات نشاز واضحة من بعض شخصيات المجلس الوطني الكوردي، تعترض ولو بشكل خفي على دور هولير في قيادة الملف الكوردي السوري، ولا سيما من أولئك الذين يزورون دمشق يومياً، ويتفاخرون بإلانجازات الوهمية التي لا وجود لها على أرض الواقع بتاتاً.
وعلى الطرف الآخر، نلحظ العقلية ذاتها، والتيار الرافض لدور هولير، نفسه ضمن جماعة الآبوجية أيضاً. وما التحركات والممارسات والنشاطات والممارسات والخطابات التي طفت على السطح في الفترة الأخيرة هنا أو هناك، في الداخل أو في أوروبا، إلا تشويشاً متعمداً لخلق البلبلة وتشويه دور هولير في قيادة الوعي وإدارة الأزمة الكوردية في سوريا.
لقد كان موقف الجاليات الكوردستانية في عموم الدول الأوروبية، الداعم والمساند لهولير ودورها المتميز، مزعجاً لتلك الأطراف، فعبّرت عن انزعاجها بوضوح عبر” البوستات” والمقابلات والكتابات والخطب، معلنة رفضها للتقارب الحاصل بين قامشلو وهولير، لأنها وجدت نفسها خارج المعادلة الكوردية السورية، وبات لزاماً عليها البحث عن منقذ أو منفذ لها، سواء في دمشق أو في إسطنبول أو ربما في عواصم أخرى.
وللتوضيح أكثر، نستطيع أن نقول : هناك تياران منزعجان بوضوح من هذا التقارب بين قامشلو وهولير:
أولًا: تيار داخل المجلس الوطني الكوردي، يسعى إلى التفتيت والانشطار ورفض أي اقتراب أو تعامل مع “قسد” ، ويرفض كل ما تم التوصل إليه مع الإدارة الذاتية من بيانات ووثائق وحوارات، ويريد تسليم الراية البيضاء للجولاني، والتحول إلى موظفين وإداريين لدى حكومة الشرع، لا أكثر ولا أقل، مع تحميل الإدارة الذاتية مسؤولية أخطائه ومواقفه وممارساته وارتداداته السياسية الخاطئة. وهذا التيار يخالف أجندات هولير ويعمل بشكل مستتر ، ويحاول بشتى الوسائل إخراج قوات سوريا الديمقراطية من المعادلة السياسية ومن المشهد الكوردي، إرضاءً لإسطنبول، ونكايةً بما حققته ” قسد ” من اختراقات دبلوماسية وسياسية مع حكومة الشرع والأوروبيين، وهي إنجازات يعود الفضل فيها، دعماً وقوة، إلى هولير وكوردستان العراق بشكل عام.
ثانياً : التيار الآبوجي الراديكالي.
فبعد أن دعا عبد الله أوجلان حزبه إلى إلقاء السلاح وحلّ الحزب، ودفع ما كانت تُسمّى بـ”الإدارة الذاتية” إلى التعاون والتعامل مع قيادة إقليم كوردستان لرسم مستقبل الكورد في سوريا، إذ تضررت جماعات متطرفة داخل حزب العمال الكوردستاني من هذا النداء، ورفضت الأوامر الاوجلانية سرّاً، وسعت إلى وضع العراقيل أمام سياسات إقليم كوردستان في سوريا. ولم تكن التصريحات الصادرة عن بعض الشخصيات المحسوبة على هذا التيار ، إلا تأكيداً لهذا التمرد، وهروباً إلى الأمام، ومعارضةً مباشرة لتيار مظلوم عبدي، الذي بات يستند بشكل كلّي إلى مواقف وسياسات هولير. وهذا التيار يقوم بوضع العصي في عجلة المشروع الكوردستاني، وسياساته الداعمة لكوردستان سوريا. كما يعمل على فصل عفرين نهائياً عن المسارات والأجندات الكوردية.
وفي الخلاصة، يمكن القول: إن هذين التيارين المذكورين، سواء داخل المجلس الوطني الكوردي أو ضمن جماعة الـPYD، سواء عن قصد، أو بدون قصد، يسيران بنفس الاتجاه ويكمّلان اللوحة معاً، ويعملان ويخدمان أجنداتٍ مشتركة وواحدة، ويلتقيان عند نقطة معيّنة ومحددة … في إسطنبول، رغم تناقضهما العلني والمخفي، مهما اختلفت التصريحات والشعارات وتعددت الأقنعة.