مصانع الكراهية: مَن يموّلها ومَن يُشغّلها؟

كفاح محمود

  يزدهر الإعلامُ المُشيطِن حين تضيق السياسة وتشتعل الهويات، في لحظات الأزمات والصراعات لا يكتفي بعضه بنقل الخبر، بل يتحوّل إلى ماكينة لصناعة العدوّ وتغذية الخوف: يُجرِّد الآخر من إنسانيته، يختصره في صورة وحشٍ كاسر، ثم يُقنع الجمهور بالتدريج، أن إقصاءه أو سحقه ليس جريمة بل ضرورة.

هكذا تُعاد هندسة الوعي: لا لتفسير الواقع، بل لتلغيمه.

  رأينا النموذج الأكثر فجاجة لهذا المنطق في دعاية (داعش)، حيث استُخدمت المقاطع الموجّهة لإنتاج الرعب وتضخيم القوة وإرباك الخصوم، عبر خطاب يخلط المقدّس بالدموي ويبيع الوحشية كأنها بطولة، لم تكن الغاية إخبار الناس بما يحدث، بل التحكّم بما يشعرون به: صدمةٌ تُعمَّم، وخوفٌ يتحوّل إلى قناعة، وقناعةٌ تتحوّل إلى قبولٍ ضمني بأي ردّ فعلٍ متطرّف، إنها “سياسة المشاعر” حين تُدار كحرب، وحين يصبح الخوف مادةً أولية تُصنع منها الطاعة.

  اليوم لا تحتاج ماكينة الشيطنة إلى رايات سوداء كي تعمل؛ يكفي أن تنتقل تقنيتها إلى المجال السياسي والعرقي والطائفي، لتصبح “محتوى” يوميًا: فيديوهات مقتطعة من سياقها، عناوين تصرخ بدل أن تشرح، صور تُختار بعناية لتؤدي وظيفة واحدة: إثارة الغضب قبل أن يولد السؤال، وهنا تتحول اللقطة إلى حكم، والهاشتاغ إلى محكمة، والجمهور إلى هيئة محلفين لا تملك ملف القضية.

  ومن أخطر تجليات الإعلام المُشيطِن أنه لا يكتفي بتضخيم الخلافات، بل يصنع من الآخر كائنًا خارج الإنسانية تمهيدًا لتبرير أي إجراء ضده لاحقًا، في التجربة العراقية، تبرز أمثلة عبر قنوات حزبية/طائفية تستهدف إقليم كوردستان بخطاب يومي يصنع الكراهية ببطء: تُروَّج أكاذيب من نمط “كوردستان تعتاش على نفط البصرة”، أو تُستدعى خرافات مهينة مثل “الكورد أبناء الجن”، أو تُرمى القيادات بتهم جاهزة من قبيل “لصوص يسرقون رواتب الموظفين”، مع إغراق المشاهد بسرديات متكررة عن “علاقات سرّية” مع إسرائيل وغيرها من المفبركات، هذه الأسطوانات لا تستهدف معلومة بعينها بقدر ما تستهدف صورة ذهنية كاملة، فوظيفتها ليست تفسير أزمة الرواتب أو الخلافات الدستورية، بل تحويل الإقليم إلى خصم أخلاقي بلا حقوق، كي يبدو أي ضغط اقتصادي أو تحشيد سياسي ضده أمرًا مستحقًا لا مدانًا.

  ومثل هذه الحملات لا تعمل في الفراغ؛ غالبًا تسبق الأفعال وترافقها، مثال ذلك ما جرى في اجتياح كركوك حين سبقت التوترات موجة دعاية ركّزت على ما سُمّي “مظلومية العرب والتركمان”، في صياغات لا تبحث عن حلول إدارية عادلة بقدر ما تُصعّد الهوية على حساب الدولة، وتحوّل المدينة إلى ساحة اختبار لمعادلة: “نحن الضحية دائمًا… والآخر هو المتهم دائمًا”، وحين تُدفع المجتمعات إلى الاصطفاف بهذه الطريقة، تصبح شرارة صغيرة كافية لتبرير إجراءات كبيرة، وللأسف لا يقتصر هذا النمط على العراق، في سوريا مثلًا تحولت المقاطع المقتطعة، من مختلف الأطراف، إلى ذخيرة في حرب الروايات: كل جهة تنتقي ما يخدم سرديتها، تبني عدوًّا مطلقًا، وتستثمر في الانفعال بدل التحقق، تتنافس الصور على صناعة الحقيقة لا على كشفها، فيما يُدفن السياق تحت عناوين صاخبة تُصادر حق الناس في الفهم.

  الشيطنة الإعلامية ليست خطأً مهنيًا فحسب؛ إنها مشروع تعبئة يبدأ بإلغاء إنسانية الخصم، ثم يُطبّع الإقصاء، ويُمهد نفسيًا لأي فعل عدواني محتمل ذات يوم، ومواجهة هذا المسار لا تكون بالرقابة وحدها، بل بإعادة الاعتبار لمعايير التحقق، وكشف آليات القصّ والانتقاء، وبناء مناعة مجتمعية تسأل قبل مشاركة أي مقطع:

من صمّمه؟ ماذا حذف؟ ولماذا الآن؟

لأن أخطر ما في هذا الإعلام أنه يجعل الكراهية تبدو منطقًا… ويجعل العنف يبدو خيارًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…