خالد حسو
تُظهر التجارب السياسية المقارنة أن البُنى الحزبية أو الكيانية التي تُبنى على أساس هشّ، أو في ظل انقسام داخلي مؤسسي، أو ضمن معادلات ارتهان خارجي، تعاني من عجز بنيوي عن إنتاج استقرار سياسي مستدام.
ووفقًا لنظريات الدولة الحديثة وعلم السياسة المؤسسي، فإن الشرعية، والتماسك التنظيمي، واستقلالية القرار الاستراتيجي تُعدّ عناصر جوهرية لضمان استمرارية أي مشروع سياسي يسعى إلى التمثيل أو إدارة إقليم معيّن.
فالمؤسسات التي تفتقر إلى آليات مساءلة داخلية حقيقية، وإلى تداول ديمقراطي فعلي، تبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار جدي …
في السياق الكوردستاني، وتحديدًا في روج آفا، تبرز إشكالية مزدوجة:
من جهة وجود مشروع سياسي يُقدَّم بوصفه إطارًا إداريًا وتنظيميًا لتمثيل المجتمع؛
ومن جهة أخرى استمرار تحديات تتعلق بشرعية التمثيل، ووحدة القرار السياسي، وتأثير العوامل الإقليمية والدولية على بنية هذا المشروع. إن غياب مؤسسات رقابية داخلية فاعلة، وضعف آليات المشاركة السياسية الشاملة، يحدّان من قدرة أي كيان سياسي على التحول إلى نموذج قابل للاستدامة ومحصّن ضد التحولات المفاجئة …
من منظور القانون الدولي العام، يُعدّ مبدأ حق تقرير المصير من المرتكزات الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، حيث تؤكد المادة (1/2) على تطوير العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ المتساوي في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها. كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادتهما الأولى المشتركة على أن “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها”.
إلا أن هذا المبدأ، رغم طابعه المعياري الملزم، لا يتحقق بمجرد الخطاب السياسي، بل يتطلب شروطًا موضوعية أهمها وجود تمثيل سياسي موحد، وبنية مؤسسية شرعية، وقدرة تنظيمية تُمكّن من تحويل الحق القانوني إلى ممارسة سياسية فعّالة …
إن أي خطاب يستند إلى الشرعية الدولية دون ترجمة ذلك إلى إصلاح داخلي حقيقي وبناء مؤسسي واضح، يبقى خطابًا رمزيًا لا يرتقي إلى مستوى الفعل السياسي المستدام. فالشرعية الدولية تُدعم المطالب حين تقترن بتمثيل حقيقي وبنية سياسية قادرة على إدارة الملف القومي بكفاءة وشفافية …
كما تُظهر التحليلات الاستراتيجية أن الاعتماد المفرط على التحالفات الخارجية دون تطوير قاعدة قوة ذاتية داخلية يُضعف القدرة التفاوضية ويجعل المشروع السياسي عرضة للتقلبات الجيوسياسية.
فالمعادلات الإقليمية في الشرق الأوسط تتغير وفق المصالح المتحركة للدول، وليس وفق الخطابات المعلنة أو الوعود السياسية.
لذلك فإن استقرار أي مشروع كوردستاني يتطلب تعزيز استقلالية القرار، وتحصين البنية التنظيمية، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية بما يقلل من حدة الاستقطاب الداخلي …
إن تشبيه المشاريع السياسية بالقوارب المهترئة يعكس واقعًا مؤسسيًا أكثر مما هو توصيف بلاغي؛ فالقارب الذي لا يخضع للصيانة التنظيمية والسياسية المستمرة، ولا يعيد تقييم مساره وفق المتغيرات، يظل معرضًا للغرق مهما ارتفعت شعاراته.
والاستدامة السياسية لا تتحقق إلا عبر إصلاح دائم، ومراجعة نقدية مستمرة، وإعادة ضبط العلاقة بين القيادة والقاعدة الاجتماعية ضمن إطار من الشفافية والمسؤولية …..