زاهد العلواني – القامشلي
الجزيرة ، حيث يلتقي النهران، لا يُقاس الزمن كما يُقاس في بقية العالم.
الجزيرة، اليومُ ليس أربعاً وعشرين ساعة… بل وجعٌ يمتدّ حتى يظنه الناس شهراً، والشهرُ ليس ثلاثين يوماً… بل سنةٌ كاملة من الانتظار الثقيل، يريدون أن يقطعوا المسافات من تل كوجر الى دمشق، دون حواجز وتفتيش جوالاتهم.
أهلنا هناك، من الكرد والعرب، لا يجمعهم فقط التراب والماء، بل يجمعهم القلق ذاته، والحنين للحرية ، والتنهيدة ذاتها التي تخرج من صدور الأمهات عند المغيب في القرى الممتدة بين عين ديوار الى السهول القريبة من دير الزور، يكبر الصمت كما تكبر السنابل… لكنه صمتٌ مثقلٌ بالخوف على ماتبقى من الابناء وبالأسئلة وبأحلامٍ مؤجلة بل ومغيبة.
نتبادل الحديث معاً والرعب في قلوبهم، لم يعد الحديث عن السياسة يهمّ الناس بقدر ما يهمّهم أن ينام أطفالهم دون أن يستيقظوا على قلقٍ جديد، يريدون خبزاً بلا خوف، ومدرسةً بلا انقطاع، وشارعاً لا يضطرّون فيه لخفض أصواتهم. يريدون حياةً عادية… وهل طلبُ الحياةِ العادية كثير ؟
ثقلُ هذه الأيام تحديداً نفسيٌّ إلى حدٍّ موجع،” فالأبُ ” الذي كان يخرج إلى السوق مطمئناً، صار ينظر إلى السماء كأنها تحمل خبراً لا يدري إن كان خيراً أم شراً. “الأمُّ” التي كانت تزرع الفرح في تفاصيل بيتها، صارت تزرع الدعاء في كل زاوية أن يعود الأبناء سالمين، يا لوجع الشباب حين يُحاصرهم الانتظار. أحلامهم معلّقة بين رغبةٍ في البقاء مع الأهل والأصدقاء، وضرورةٍ في الرحيل الى دمشق، لينام تحت الجسور يفترش الأرض ، بين جذورٍ تشدّهم إلى الأرض التي يحبها وتحبه.
الجزيرة ليست مجرد جغرافيا؛ إنها ذاكرة مشتركة. أعراسٌ امتزجت فيها الدبكة والموسيقا الكردية مع الأغنية العربية، ومواسم حصادٍ تعاون فيها الجميع دون سؤالٍ عن الهوية . كان الانتماء الأول للأرض… للجار الذي يطرق الباب في الضيق قبل الفرح.
اليوم، يشكو الناس بصوتٍ خافت، لأن الصوت العالي صار يُخيفهم. يشكون من الغلاء، من الغموض، من الشعور بأنهم عالقون في منتصف الطريق. لا هم قادرون على العودة إلى ما كان، ولا هم مطمئنون إلى ما سيكون. كأنهم يمشون على جسرٍ من ضباب.
أهل الجزيرة يريدون الحرية… لا كشعارٍ يُرفع، بل كحياةٍ تُعاش. يريدون أن يشعروا أن كرامتهم مصونة، وأن مستقبل أبنائهم ليس رهينةً للقلق الدائم.
يا أهلنا في الجزيرة السورية… إن كان اليومُ يمرّ عليكم ثقيلاً، فأنتم أثقل في قلوب من يحبّكم. وإن كان الشهرُ يبدو سنةً، فصبركم أعوامٌ من الكرامة الصامتة. لعلّ هذه الأرض التي علّمت العالم معنى التعايش، تعود فتعلّمه معنى النهوض بعد الألم.
يارب