من أراد قيادة الشعب… فليكن بين الشعب

شريف علي

لقد طال صبر الشعب الكوردي في غرب كوردستان، وطال معه غياب قيادات الحركة الكوردية عن أرضها. وفي الوقت الذي يعيش فيه الناس تحت ضغط يومي، ويواجهون تحديات سياسية واقتصادية خانقة، ما زالت بعض القيادات تفضّل البقاء في الخارج، وكأن النضال يمكن أن يُدار عبر الشاشات أو من خلف المكاتب. هذه الحقيقة لم يعد الشعب مستعداً لتقبّلها.

إن ساحة النضال الحقيقية  لهؤلاء ليست أوروبا ولا عواصم الجوار، بل غرب كوردستان، حيث يعيش الشعب الذي يُفترض أن هذه القيادات تمثله. هنا تُختبر القيادة، وهنا تُبنى الثقة، وهنا فقط يمكن لأي شخص أن يثبت أنه أهل للمسؤولية. أما البقاء في الخارج بلا مبرر، فهو لا يعني سوى شيء واحد – وجود مصالح وامتيازات شخصية لا يريد البعض التخلي عنها-

لقد أثبت التاريخ الكوردي أن القيادة الحقيقية لا تعرف اللجوء إلا اضطراراً، ولا تعرف الابتعاد عن الشعب إلا حين تُغلق كل الطرق. ولعلّ أفضل مثال على ذلك ما جاء في البيان الأول لثورة 26 كولان 1976  بقيادة الزعيم مسعود بارزاني في جنوب كوردستان،  تحت عنوان  – كوردستان الساحة الحقيقية للنضال – حيث أكّد أن الثورة لا تُقاد من بعيد، وأن القائد الحقيقي هو من يكون في قلب الميدان، بين شعبه، لا خارجه. تلك الروح الثورية هي ما نفتقده اليوم لدى بعض من يصرّون على البقاء في الخارج رغم أن أبواب العودة مفتوحة.

إن الشعب الكوردي في غرب كوردستان  اليوم بحاجة إلى خبرة قياداته، بحاجة إلى حضورهم، بحاجة إلى أن يكونوا في الصف الأول، لا في الصفوف الخلفية. فمن يضع نفسه في موقع القيادة، عليه أن يتحمّل مسؤوليات هذا الموقع. أما من يفضّل البقاء في الخارج حفاظاً على امتيازاته، فعليه أن يعترف بأن موقع القيادة لم يعد يناسبه.

إن بقاء القيادات في الخارج يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: إذا كان القائد غير قادر على العودة، فكيف يمكنه قيادة شعب يعيش تحت الضغط يومياً؟ وإذا كان قادراً على العودة لكنه يرفض، فماذا يعني ذلك؟ هل هي حسابات شخصية؟ أم مصالح؟ أم خوف من فقدان الامتيازات؟ الشعب يرى، ويفهم، ويقيّم، ولم يعد يقبل الأعذار الجاهزة.

إن التحديات التي تواجه القضية الكوردية في سوريا تتطلب حضوراً سياسياً قوياً داخل البلاد، حضوراً يمنع استغلال الانقسامات، ويعزز قدرة الحركة على الدفاع عن حقوق شعبها في أي تسوية سياسية مقبلة. فالمستقبل السوري يُصاغ الآن، ومن غير المقبول أن يبقى الصوت الكوردي ضعيفا بينما تُرسم ملامح المرحلة القادمة.

قد انتهى زمن الشعارات الفارغة، وانتهى معه صبر الناس على قيادات تختبئ خلف الميكروفونات وتتظاهر بإدارة نضال شعبٍ كامل من مقاعد مريحة في الخارج. من يهرب من ساحة نضاله لا يحق له أن يتحدث باسم من يدفعون الثمن كل يوم. ومن يختار اللجوء طوعاً، فقد اختار أيضاً أن يخرج من معادلة القيادة. فالقضية لا تنتظر المترددين، ولا ترحم المتقاعسين، ولا تعترف بقائد لا تطأ قدماه أرض شعبه. اليوم، إما أن يعود من يعتبرون أنفسهم قادة إلى الميدان… أو ليتركوا مواقعهم لمن يملك الشجاعة ليقف في الصف الأول. فالمستقبل لا يُصنع من بعيد، والقيادة ليست لقباً… بل موقفاً يُدفع ثمنه في الداخل، لا في الغربة.

لقد حان الوقت لقول الحقيقة بلا تردد: القيادة تُمارس في الداخل… ومن لا يستطيع العودة، لا يستطيع القيادة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…