المقيَّد وأحلامه الحرة

ماجد ع محمد

ـ صعيد الحلم:

بالرغم من أن أحلامَ اليومِ للإنسان الحُرِّ قد تكون شرارات إبداعية له ولغيره في دنيا الغد، إلا أني قيد التّصورِ بأن الشخص الحالِم إن لم يكن الخير العام جزءًا رئيسيًا من مشاغله لما كان أثره كأثر السَّلف الصالح من الرُّسل والعلماء والمخترعين، كما أنني أرى بأن من بنى أحلامه على تربة الآخرين دون موافقتهم، بل وغرس قواعده فيها رغمًا عنهم، غالبًا ما كان إما من أنصار الظلم أو كان الانهيارُ القيمي من نصيب بنائه، لذا فإن كان ولا بُد لك من الحلم العمراني، فابنِ حلمك على صعيدك، وبناءً على ما تمتلكه من المقومات حتى لا تكون وبالًا على نفسك وعلى من هم حولك.

ـ أحلام الرعية والرعاة:

قطرات الأحلام إن اجتمعت في درب التقدم استحالت جداول رقراقة تسقي التربة العطشى في طريقها، وربما شكَّلت القطرات المتدفقة معًا نهرًا بهيًا قادرًا على تدوير النواعير وتوليد الطاقة وتأمين الضياء لملايين البشر، وما أسعد بقعةٍ جغرافيةٍ تلاقحت فيها الأحلام العظيمة للرعية مع أحلام رعاتها، وفي إطار النجاح في التلازم بين أحلام القاعدة والقيادة، يطيب لنا إيراد جملةٍ أوردها محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه “قصتي” حيث يقول فيها: “تنجح الدول عندما يأتي قادة تكون أحلام شعوبهم أكبر من أحلامهم الشخصية ومطامعهم الذاتية”.

ـ على أنقاض المحب:

بمقدورك أيها الغارق في هواها أن تحبها بكل ما تمتلك وتكن لها من المشاعر، وبكل ما لديك من قوّة الحبِ تستطيع متى ما وددت أن تحب، ولكن مَن قال إنك كمُحبٍ غائصٍ في يمها، يحق لك تحقيق جُل أحلامك على أنقاض أحلام مَن تحب؟

ـ المقيَّد وأحلامه الحرة:

من مفارقات الحرية والاعتقال الجسدي في غياهب السجون، أن المُعتقل في الزنزانة، وبفضل أجنحة الخيال المنطلق كالهواء العابرِ تخوم القضبان وفضاء الدول والقارات، تراه مستمتعًا بأحلامه الحُرَّة أكثر منا نحن الطلقاء خارج أسوارها، حيث يشير الشاعر الكردي محمد حمو في إحدى قصائده بأن أحلام السجن أكثر حرية من الأحلام خارج السجن، خاصةً بالنسبة إلى المقيم بين ظهراني الأنظمة الاستبدادية، إذ يقول فيها:

“Li vî cihî, dijwarî xemla xwe girê dide! xweşî biskên xwe dibirre! li vir her tişt bindest e û giriftar e! Lê xewnên vir xweş û serbest in, ne wek xewnên mal in!”.

“في هذا المكان، الصعوبات تزيِّن نفسها، وتفرض هيبتها، والسعادة والجمالية تقص جدائلها، هنا كل شيء خاضع وتعيس، ولكن بخلاف أحلام البيت، فهنا الأحلامُ جميلة وحرة”.

ـ عشاق تفخيخ الذات:

لسنا ضد أحلام أحدٍ من الناس إن خلت تبعات أحلامهم من العسف والأذيَّة، ولكن كم يليقُ به الازدراء ذلك الذي يبني أحلامه السياسية أو الدينية أو الاقتصادية أو حتى العاطفية بناءً على قهر الآخرين أو طمس أحلامهم.

عمومًا، فبخلاف من يود أن يُحقق حلمه على أنقاض غيره، هناك من لديه الاستعداد ليتنازل عن الكثير من أحلامه الدنيوية، فإن لم تتحقق فلا بأس بذلك لديه، إلا اللهم أحلام الفردوس مع كل ما تتضمن من الإغراءات والمشوقات، فمن جانبٍ شخصي كثيرًا ما أرتجي الغائبَ المسؤول عنها بأن لا يبقيها مجرَّد أحلامٍ لدى إخواننا التائقين إليها، بل أن يعمل على تحقيقها في أقرب فرصةٍ ممكنة، لا منةً منهُ على المؤمنين بها ولا إرضاءً لعشاق ملذاتها، إنما رأفةً بمن لا يسعى إليها ولا يقتنع بكل ما يتصل بها، إذ عسانا وقتئذٍ نتخطى مخاطر الجموحِ لدى بعضَ طلابها وهم بكل حماسةٍ، بل وبشراسةٍ، يتوجهون إلى مكان إقامتها بالرغم من جهلهم بكل ما يتصل بعنوانها، وذلك حتى ينأى مَن تبقى مِن بني البشر من عواقب أحلامهم المهيأة للفتكِ كرمى الوصول إليها، وكذلك الأمر ترتاح الحياة الأرضية برمتها من شظايا عشاق تفخيخ الذات فدوى بلوغها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…