المسألة الكردية بين الوعظ الديني والسياسة (2) قراءة في تجربة حزب العدالة والتنمية

عدنان بدرالدين

إذا كانت الحلقة الأولى قد ناقشت تحويل المسألة الكردية من سؤال سياسي بنيوي إلى سؤال أخلاقي، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى اختبار التجربة التي تُقدَّم غالبًا باعتبارها النموذج الأكثر عقلانية لمعالجة القضية الكردية في تركيا: تجربة حزب العدالة والتنمية، كما تُفهم ضمن خطاب الإسلام السياسي.

لا يمكن إنكار أن تلك المرحلة شهدت خطوات غير مسبوقة مقارنة بالمراحل الجمهورية السابقة. سُمح بالبث باللغة الكردية، وأُدخلت كلغة اختيارية في التعليم، وأُطلقت عملية سلام بدت في حينها محاولة جدية للخروج من دائرة الصراع المسلح، كما خُففت بعض القيود الثقافية.

غير أن السؤال اليوم ليس: هل حدثت إصلاحات؟

بل: ما طبيعة هذه الإصلاحات؟ وهل تحولت إلى قاعدة دائمة داخل بنية الدولة؟

الإصلاح بين القرار السياسي والتحول البنيوي

يمكن اختبار أي إصلاح بسؤال بسيط:

هل يمكن التراجع عنه بسهولة؟

إن كان الجواب نعم، فهو قرار سياسي.

وإن كان الجواب لا، فهو تحول بنيوي.

الخطوات التي شهدتها تلك المرحلة كانت مهمة في سياقها، لكنها بقيت في معظمها ضمن الإطار التنفيذي أو الإداري. لم تتحول إلى صيغة دستورية واضحة تعترف بالكرد كقومية ذات وجود تاريخي داخل الدولة، ولم تُحصَّن بنصوص تجعل التراجع عنها مكلفًا سياسيًا وقانونيًا.

وهنا يظهر الفرق بين تخفيف القيود وبين إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الاعتراف باللغة خطوة مهمة،

لكن الاعتراف الدستوري بالهوية مسألة أخرى.

فتح نافذة للحوار مهم،

لكن تحويل الحوار إلى عقد سياسي مستقر مسألة مختلفة.

ويزداد الأمر وضوحًا عند النظر إلى الإطار الدستوري ذاته. فالمواد الثلاث الأولى من الدستور التركي، التي تعرّف هوية الدولة ووحدتها ورمزيتها، تُعد مواد محصّنة غير قابلة للتعديل، وقد شكّلت أرضية توافق واسعة بين النخب السياسية لعقود طويلة. في ظل هذا السقف الدستوري الصلب، يصبح أي نقاش حول إعادة تعريف الهوية أو إدخال اعتراف قومي صريح مسألة تتجاوز حدود الإصلاح التقليدي.

وهنا يطرح السؤال نفسه:

هل تحركت الإصلاحات لتوسيع هذا السقف، أم بقيت تعمل داخله؟

قابلية الارتداد واختبار الواقع

التحول البنيوي يُختبر عند الأزمات.

عندما انهارت عملية السلام، عاد الملف إلى الإطار الأمني بسرعة. تغيّر المشهد في عدد من البلديات المنتخبة في المناطق الكردية، وتم تعيين أوصياء بدل رؤساء البلديات المنتخبين، وهو إجراء أعاد النقاش حول حدود اللامركزية السياسية في النظام القائم.

الملاحظة هنا ليست اتهامًا، بل سؤالًا مؤسساتيًا:

لو كانت الإصلاحات قد أسست لمرحلة جديدة مستقرة، هل كان يمكن تعطيلها بهذه السرعة؟

قابلية الارتداد تكشف حدود الإصلاح. فالخطوة التي يمكن تعليقها أو إبطال أثرها بقرار سياسي تظل خطوة ظرفية، مهما بدت مهمة في لحظتها.

هنا يتضح الفرق بين إدارة أزمة وتأسيس حل بنيوي.

هل كانت المشكلة في السلاح وحده؟

يُقال إن منطق السلاح هو سبب تعقيد المسألة الكردية، وإن البديل هو السياسة. صحيح أن أي مجتمع لا يمكن أن يستقر في ظل صراع مسلح دائم، وقد أظهرت التجربة أن خيار السلاح، سواء لفرض الاعتراف أو لانتزاع التفاوض، عمّق المأزق، وأنتج كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة على المجتمع الكردي، ومكّن الدولة من إعادة اختزال القضية في بعدها الأمني.

لكن السؤال الأهم هو: هل كانت المقاربة الأمنية مجرد رد فعل على السلاح، أم أنها جزء من نمط أوسع في إدارة المسألة الكردية؟

حتى في فترات الهدوء النسبي، لم يُستكمل الانتقال إلى نموذج سياسي يعيد تعريف العلاقة على أسس دستورية واضحة. وعند أول اختبار، عاد الملف إلى منطق الأمن. فالتفاوض، إن ظل محكوماً بالسقف الأمني، لا يعيد صياغة العلاقة، بل يعيد ترتيب التوازنات داخلها.

التحول الحقيقي لا يبدأ بوقف النار، بل بتعديل الإطار الدستوري الذي ينظم الاعتراف والتمثيل والضمانات. من دون ذلك، تبقى السياسة مجرد إدارة مدنية لملف أمني، لا بديلاً عنه.

بين تخفيف الاحتقان وبناء الحل المستدام

يمكن القول إن تجربة حزب العدالة والتنمية خففت الاحتقان، وفتحت مساحات للحوار، وكسرت بعض المحظورات القديمة. وهذه خطوات مهمة في سياقها التاريخي.

لكن تخفيف الاحتقان ليس هو نفسه بناء حل مستدام.

إدارة التوتر قد تنجح لسنوات، لكنها تظل مرتبطة بميزان القوى السياسي. أما الحل البنيوي، فيقتضي اعترافًا دستوريًا صريحًا، وضمانات سياسية مستقرة، وآليات تحول دون العودة إلى نقطة الصفر.

التجارب السياسية تُقاس بقدرتها على الصمود أمام الزمن. فإذا كانت الحقوق مرتبطة بحكومة معينة، فإنها تبقى جزءًا من التوازنات السياسية. أما إذا كانت جزءًا من عقد دستوري واضح، فإنها تصبح جزءًا من بنية الدولة نفسها.

السؤال إذن ليس: هل كانت هناك إصلاحات؟

بل: هل تحولت إلى قاعدة دائمة أم بقيت قابلة للارتداد؟

هنا تتحدد طبيعة التجربة:

هل كانت بداية مسار تاريخي مستقر؟

أم كانت إدارة أزمة ضمن حدود الممكن السياسي في لحظة معينة؟

الإجابة على هذا السؤال هي ما يحدد ما إذا كانت المسألة الكردية قد انتقلت فعلًا من طور الصراع المزمن إلى طور التسوية المستقرة، أم أنها ما تزال تبحث عن إطار بنيوي يحصنها من الارتداد.

في الحلقة الثالثة والأخيرة، سننتقل إلى البعد الإقليمي، ونناقش النموذج السوري كما يُطرح اليوم، والسؤال عما إذا كانت المعادلات الجديدة هناك قادرة على تجنب المأزق الذي ظهر في التجربة التركية.

19 شباط / فبراير 2026

يتبع.

رابط الحلقة الأولى: https://welateme.net/105863-2/

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو في مشهد جيوسياسي معقد يعج بالاضطرابات، تبرز الأمة الكردية كنموذج فريد للاعتدال والارتباط بالقيم الإنسانية. ورغم أن الغالبية العظمى من الشعب الكردي تدين بالإسلام، إلا أن علاقتهم بالدين ظلت تاريخياً علاقة روحية سمحة، بعيدة كل البعد عن أدلجة الدين أو تحويله إلى سلاح للتدمير. أولاً: الحصانة المجتمعية ضد “الإسلام السياسي” عند تتبع خريطة التنظيمات المتطرفة — بدءاً من…

عقد المجلس الوطني الكردي في سوريا اجتماعه بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦، خُصّص لبحث آخر التطورات السياسية المتسارعة على الساحة السورية والكردية، وسبل التعامل مع التحديات الراهنة بما يخدم تطلعات شعبنا الكردي، ضمن إطار الشراكة الوطنية الشاملة، وبما يساهم في إنجاح المرحلة الانتقالية. وفي مستهل الاجتماع، توقف المجلس بتقدير عالٍ عند مظاهرات التأييد والتضامن التي شهدتها مختلف أماكن تواجد أبناء شعبنا،…

عبدالجابر حبيب   بين شعار الديمقراطية، وخصوصية الهوية: بعد أن هدأت الزوبعة التي عصفت بكورد سوريا، وانكشفت أخطاء المرحلة، لم يعد ممكناً الاختباء خلف الشعارات أو تعليق الإخفاقات على شماعة الخارج وحده. لقد جاءت اللحظة التي وقف فيها الشارع الكوردي أمام مرآته، فرأى هشاشته كما رأى قوته، ورأى أن المصير حين يُترك في يد مجهولة، يتحول الوطن إلى سؤال مفتوح…

خالد حسو   في خضم التحولات الإقليمية العميقة، عادت شعارات “الأمة الديمقراطية” و”أخوة الشعوب” إلى واجهة النقاش السياسي، تحمل وعدًا بالنموذج الديمقراطي الشامل وعيش مشترك بين الشعوب. لكن، عند التدقيق في سياقها وواقعها العملي، يتضح أن هذه الشعارات غالبًا ما تُطرح باسم قائد معتقل منذ عقود، تحت سيطرة دولة تُعد طرفًا مباشرًا في الصراع الكوردستاني، ما يثير تساؤلات حول استقلالية…