جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السورية

د. محمود عباس

أحد أعمق الإشكاليات التي تواجه أي اتفاق بين الشعب الكوردي وأي سلطة سورية، بما في ذلك الاتفاقية الأخيرة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية، ليست بندًا أمنيًا أو تفصيلاً عسكريًا بقدر ما هي سؤال وجودي وسيادي، هل تعترف الدولة أصلًا بوجود جغرافية كوردية داخل سوريا؟ وما حدود هذه الجغرافية؟ لأن الاعتراف بالجغرافيا ليس ترفًا لغويًا، بل هو اعتراف بالتاريخ، وبالمظلومية الديمغرافية، وبالحق السياسي الذي لا تُبنى أي شراكة وطنية بدونه.

إن هذا السؤال يرتبط مباشرة بمدى الاعتراف بالانتهاكات التي استهدفت الديمغرافيا الكوردية لأكثر من سبعين عامًا، من سياسات التعريب المنهجي، إلى مصادرة الأراضي، إلى تغيير أسماء القرى والبلدات، إلى هندسة السكن والإدارة بحيث يتحول الكوردي من صاحب أرض إلى “طارئ” داخل وطنه. ومن هنا، فإن الطعن بالجغرافيا ليس طعنًا بالكورد في سوريا فحسب، بل هو طعن بجغرافيتهم الكوردستانية التي اقتُطعت تاريخيًا وأُلحقت بسوريا الحديثة ضمن سياقات دولية لم يكن للشعب الكوردي فيها إرادة تقريرية.

ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة أن الحراك الكوردي، طوال مسيرته النضالية، نادرًا ما تجرأ على معالجة هذا الملف معالجة علمية مؤسَّسة. ظهرت خرائط كثيرة، لكن معظمها بقي في خانة الانطباع أو الرمز السياسي، لا في خانة التوثيق الطبوغرافي والبحث الميداني المدعوم بالمعطيات السكانية والحدود الطبيعية ومسارات العمران وتاريخ الملكية. وحتى القوى التي حملت مشروع الإدارة الذاتية، حين تبنّت منهجية “الأمة الديمقراطية” بوصفها إطارًا فوق قومي، لم تُنتج مقاربة واضحة لمسألة الجغرافيا الكوردية، لأنها، نظريًا، لا تمنح الحدود بين القوميات معنى سياسيًا حاسمًا، وتستند إلى حجج مثل “التداخل الديمغرافي” لتجاوز سؤال الحدود والاسم والحق التاريخي.

وهنا بالذات وجدت الحكومة السورية الانتقالية، ومعها شرائح واسعة من الخطاب المركزي السوري، فرصةً لتثبيت سردية قديمة بثوب جديد، القول إن الشعب الكوردي “موزع” على كامل الجغرافيا السورية، وإنه لا يوجد نطاق جغرافي محدد يمكن تسميته أو الاعتراف به، وبالتالي لا مجال لأي صيغة لا مركزية حقيقية، ولا لأي نقاش دستوري جاد حول الحقوق القومية، لأن المركزية تصبح “الحل الطبيعي” بحجة أن الكورد ليسوا كتلة جغرافية، بل أفراد منتشرون.

في هذا السياق برزت أهمية الدراسة الوحيدة التي قُدِّمت، ضمن ما كان متاحًا علنًا، من قبل المجلس الوطني الكوردستاني، والتي أشرفتُ عليها بصفتي جغرافيًا، واعتمدت منهجًا طبوغرافيًا علميًا ومراسلات ميدانية مع أفراد ومجموعات من مناطق متعددة شملتها الدراسة، بهدف تحديد النطاق الجغرافي الكوردي وفق معايير الأرض والناس والتاريخ ومسارات العمران. ومع ذلك، لم تكن الدراسة مكتملة من الناحية العلمية، ونُشرت بالخطأ قبل استكمال معاييرها النهائية.

والمفارقة أن تلك الخريطة ذاتها استُخدمت لاحقًا بصورة دعائية، بما في ذلك رفعها من قبل أردوغان في الأمم المتحدة، على أنها “دليل” على رغبة الكورد في تقسيم سوريا، وكأن الاعتراف بالجغرافيا بوصفه حقًا سياسيًا يُعد جريمة. والحقيقة أن الإشكالية ليست في الخريطة، بل في ذهنية ترى في أي تعريف للحقوق تهديدًا، وفي أي تسمية للواقع مؤامرة.

غير أن الاعتراف بالجغرافيا الكوردية ليس بالضرورة دعوة إلى الانفصال، ولا يعني تمزيق الوطن السوري، بل هو الشرط الأول لبناء وطن سوري متماسك. لأن الدولة التي تُنكر خرائط مكوناتها، وتُجرّم أسماءهم، وتُخضع حقوقهم لمنطق “الأغلبية” وحده، تعيد إنتاج أسباب الانفجار، لا شروط الاستقرار. وإذا كان منطق “الوطن السوري” قد فُرض تاريخيًا ضمن توازنات دولية رضخ لها الكورد دون إرادتهم، فإن العدالة تقتضي أن يتحول هذا الوطن إلى إطار شراكة حقيقية، لا إلى غطاء إنكار جديد يُطلب من الكورد أن يذوبوا تحته مرة أخرى.

ومن هنا يمكن فهم ما يجري اليوم من محاولة لتقويض مسيرة الاتفاقية الأمنية والعسكرية الجارية في الجزء الشرقي من المنطقة الكوردية. فمن حيث المبدأ، كان يمكن أن تمضي هذه الترتيبات بسلاسة لو توفرت إرادة سياسية واضحة، ولولا العبث الذي تقوم به مجموعات مغرضة تُحسب على الحكومة الانتقالية، وربما لا تخضع فعليًا لقرارها، سواء كانت مدفوعة بكراهية متجذرة تجاه الشعب الكوردي، أو تتحرك تحت إملاءات تركية، أو تستثمر في الضبابية المتعمدة حول الجغرافيا الكوردية وتسمية هذه الجغرافيا وحدودها. والنتيجة أن الاتفاقات تُترك معلقة في الهواء، تُدار أمنيًا، لكنها تُفخخ سياسيًا، لأن أطرافًا لا تقبل إلا بمنطق السلطة المطلقة والمركزية الكاملة، رغم أن التجربة السورية نفسها أثبتت أن المركزية الصلبة كانت المصنع الأكبر للكوارث، وأن الاستبداد البعثي والأسدي لم يصنع دولة، بل صنع انهيارًا طويلًا باسم الدولة.

إن أي اتفاق بين الكورد وأي حكومة سورية لن يصمد إذا ظلّ ملف الجغرافيا والاعتراف والإنصاف الديمغرافي خارج النقاش. فالاتفاقات الأمنية تُوقّع في يوم، لكن الدولة تُبنى على حقائق الأرض. والحقائق لا تُدار بالإنكار، ولا تُعالج بالمزايدات، بل بتوثيق علمي صلب، واعتراف سياسي شجاع، وترجمة دستورية تضع حدًا لزمن “الضباب” الذي تعيش فيه الحقوق الكوردية: ضباب يسمح للبعض أن يساوم، وللبعض الآخر أن يُخيف، وللخصوم أن يحرّكوا الفتن. أما الوضوح، فهو وحده ما يصنع الاستقرار: وضوح الجغرافيا، وضوح الاسم، وضوح الحق، ثم وضوح الشراكة الوطنية على أساس ذلك.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

17/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…