شيرزاد مامساني / رئيس شبكة التحالف الإسرائيلي الكردي، ومساهم في أخبار إيست ميد
ما يعرض في هذا المقال ليس اختلاقا ولا خيالا سياسيا، بل هو قراءة تحليلية تستند إلى نصوص أصلية مقتبسة حرفيا من فكر وفلسفة زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) عبد الله أوجلان، كما وردت في كتابه «دفاعي: نقطة تحول على طريق الحل الديمقراطي»، إضافة إلى وثائق رسمية منشورة على موقع البرلمان التركي بشأن لقاء إمرالي لعام 2025.
تقدم هذه النصوص للفحص والقراءة النقدية والتحليل، من أجل فهم الاستراتيجية طويلة المدى التي يعتمدها هذا التيار، مع الأخذ في الاعتبار أكثر من أربعين عاما من الكفاح المسلح الذي خاضه حزب العمال الكردستاني. ذلك الكفاح بدأ تحت شعار «إقامة كردستان الكبرى» وخاض صراعا مطولا ضد الدولة التركية، دفع خلاله الشعب الكردي أثمانا بشرية وسياسية باهظة، من دون تحقيق أي نتيجة وطنية ملموسة.
I. الإطار الأيديولوجي العام ومسألة القطيعة الوطنية
منذ تأسيسه، انتهج حزب العمال الكردستاني مقاربة تصادمية تجاه معظم القوى والأحزاب الكردية الأخرى في كردستان، متجاوزا مرتكزات وطنية مشتركة على نطاق واسع، أبرزها:
-
استبدال اسم (البيشمركة) بـ (الكريلا/الگريلا) لقواته المسلحة.
-
اعتماد علم مختلف عن العلم الكردي المتفق عليه وطنيا.
لم تكن هاتان المسألتان مجرد تفاصيل شكلية؛ بل كانتا تمثلان عناصر وحدة وهوية قومية جماعية في الوعي الكردي. ومع ذلك جرى تهميشهما عمدا ضمن مشروع أيديولوجي متميز.

II. أوجلان كما يقدم نفسه في كتاباته
في كتابه «دفاعي: نقطة تحول على طريق الحل الديمقراطي» يصرح عبد الله أوجلان بوضوح، ولا سيما في الصفحة 173:
«بقدر ما نسعى إلى إبعاد تركيا عن الخطر وإنقاذها من المخاطر الكبرى التي تنتظرها، فإننا نرغب أيضا في عودة تركيا إلى القوة والعظمة التي كانت تمتلكها في الماضي.»
هذا المقطع ليس اجتزاء ولا تفسيرا؛ بل اقتباس حرفي. وهنا يبرز سؤال مركزي لا مفر منه:
كيف يختلف مشروع أوجلان عن مشروع رجب طيب أردوغان؟
إذا كان كلا الرجلين، كل بطريقته، يعمل على إعادة تركيا إلى «قوتها وعظمتها التاريخية» — أي إرث عثماني متجدد بصيغ حديثة — فما الذي يبرر سفك الدماء الكردية والتركية طوال عقود إذا كان الهدف النهائي واحدا؟

III. التسوية النهائية وخدمة الدولة التركية
يواصل أوجلان في العمل نفسه توضيح ما يسميه «التسوية النهائية»، قائلا:
«مع التسوية النهائية ستدخل القدرات العسكرية والقتالية لحزب العمال الكردستاني في خدمة جمهورية تركيا، وستزول التهديدات التي تعرض وجودها للخطر — وهي تهديدات تقودها بعض مراكز القوى العالمية التي تستغل القضية الكردية منذ مئتي عام لإشعال تركيا وتحويلها إلى ساحة حرب دائمة، كما فعلت في كوسوفو ولبنان والبوسنة والهرسك والعراق، ولا سيما في شمال العراق تحت مسمى الكيان الكردي.»
تفرض هنا أسئلة ضاغطة نفسها:
-
ما هي «التسوية النهائية» التي يشير إليها أوجلان؟
-
هل يوجد أصلا صراع وجودي مع الدولة التركية يستدعي تسوية، إذا كان المشروع المعلن هو إنقاذ تلك الدولة وحمايتها؟
والأهم أن أوجلان يقدم نفسه وحزبه بوصفهما منقذين استراتيجيين لتركيا من مؤامرات عالمية، ويرى في القوة العسكرية التي بناها الحزب أداة لحماية الدولة التركية بدلا من مواجهتها.
IV. الموقف من إقليم كردستان العراق وكرد سوريا
يتجلى هذا النهج بوضوح مع قيام إقليم كردستان العراق عام 1992، حين وصف أوجلان ذلك الكيان بأنه «خنجر مسموم في خاصرة الدولة التركية»، وأعلن الحرب عليه، واعتبره نتاجا لقوى إمبريالية.
تكمن المفارقة في أن هذه «القوى الإمبريالية» نفسها وفرت لاحقا غطاء سياسيا وعسكريا لحزب العمال الكردستاني في شمال شرق سوريا. بل إن أوجلان أنكر صراحة وجود «كردستان الغربية» في مقابلة منشورة في كتيب «سبعة أيام مع آبو: القائد والشعب»، رغم أن حركته فرضت سيطرة فعلية على المنطقة منذ اندلاع الصراع السوري.
وخلال محاكمته بعد اعتقاله، صرح أوجلان بأنه قدم «خدمات عظيمة لتركيا» عبر وقوفه منفردا ضد قيام دولة كردية في شمال العراق. ولا يزال هذا الموقف يحدد سياسة حزبه حتى اليوم، منسجما تماما مع الرفض التركي القاطع لأي كيان قومي كردي — حتى لو كان «على كوكب المريخ».
V. وثيقة إمرالي 2025 وتأكيد المسار
تؤكد وثيقة لقاء إمرالي لعام 2025 المنشورة رسميا هذا المسار بشكل لا لبس فيه. ففيها يقول أوجلان:
«تسعى إسرائيل إلى إقامة دولة كردية لضمان هيمنتها الإقليمية، وأنا أعارض ذلك. أدافع عن الديمقراطية الإقليمية والكومونات ضمن وحدة الأراضي السورية.»
ويضيف:
«إذا منحت الفرصة العملية والنظرية فأنا مستعد لخدمة الدولة التركية.»
هذه التصريحات، الصادرة ضمن وثيقة رسمية للبرلمان التركي، لا تترك مجالا للغموض: رفض الدولة الكردية خيار استراتيجي ثابت، لا مناورة مؤقتة.

VI. الدلالات بالنسبة لروجافا اليوم
على المستوى العملي، ينعكس هذا المسار بوضوح في شمال وشرق سوريا. فقبل انهيار سلطة نظام الأسد في أجزاء واسعة من البلاد، قدمت الولايات المتحدة طلبا مباشرا إلى قوات سوريا الديمقراطية (SDF) لتولي إدارة المرحلة الانتقالية سياسيا وعسكريا.
طرح هذا الخيار في اجتماعات مغلقة بين عامي 2019 و2022، لكنه رفض بذريعة أن SDF «قوة ثورية لا تعمل وفق أوامر خارجية». وفي الواقع جرى تأجيل القرار إلى قنديل بحجة «الحفاظ على عملية السلام» في تركيا.
ومع استمرار الرفض، أبلغت واشنطن قوات سوريا الديمقراطية أن الفرصة لن تبقى مفتوحة، وأن جهات أخرى ستكلف بالمهمة — وهو ما حدث لاحقا، مشكلا نقطة تحول حاسمة.
VII. سوء قراءة العلاقة مع قوة عظمى
يثير هذا المسار سؤالا أساسيا:
كيف يمكن لقوة عسكرية تتلقى تدريبا وتمويلا وغطاء جويا من البنتاغون أن تبني خطابها الأيديولوجي على معارضة النظام السياسي والقيمي الذي تمثله الولايات المتحدة؟
وقد حذرت واشنطن مرارا من هذا التناقض. وكان أوضح تعبير عن ذلك تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون:
«نحن متحالفون في سوريا مع شريك يحمل تصورات أيديولوجية غير متوافقة معنا.»
في ضوء ما سبق، يمكن الاستنتاج أن غياب البراغماتية السياسية، وتقديم الأيديولوجيا على القرار السيادي، أديا إلى إهدار فرصة تاريخية نادرة.
فلو جرى التعامل مع الواقع الدولي بقدر أكبر من الواقعية، بدلا من مشاريع تهدف إلى إنقاذ تركيا من التفكك، لكان من الممكن أن يشغل مظلوم عبدي اليوم موقعا سياديا في اتخاذ القرار، بدلا من بقائه محصورا في دور أمني محدود ضمن معادلة إقليمية معقدة.

المراجع والهوامش
-
عبد الله أوجلان، «دفاعي: نقطة تحول على طريق الحل الديمقراطي»، ص. 173.
-
عبد الله أوجلان، «سبعة أيام مع آبو: القائد والشعب».
-
الموقع الرسمي للبرلمان التركي، نص لقاء السجين عالي الحراسة في إمرالي، 24 نوفمبر 2025.
-
وكالة رويترز، تقارير عن العلاقات الأمريكية – SDF (2016–2024).
-
وكالة أسوشيتد برس (AP)، تغطية السياسة الأمريكية في شمال وشرق سوريا.
-
مجموعة الأزمات الدولية، تقارير حول PKK والإدارة الذاتية.
-
مركز كارنيغي للشرق الأوسط، دراسات حول القضية الكردية السورية.
-
تصريحات وخطب رسمية لعبد الله أوجلان ورجب طيب أردوغان منشورة في الإعلام التركي.