شادي حاجي
بينما يقود مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، مسار التفاوض مع السلطة المؤقتة في دمشق، يبدو وبحسب تصريحاته خلال مؤتمر ميونخ للأمن أنه يميل بوضوح متزايد نحو مقاربة تقوم على ضرورة تثبيت خصوصية الكرد وآخذها في الاعتبار ضمن أي حل سياسي ضمن إطار سوري معاد تشكيله وأن تكون هناك إدارة محلية كردية تحكم مناطقها وتدير شؤونها بنفسها . في المقابل، يتمسك كل من رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي غريب حسو وقيادات بارزة في الإدارة الذاتية، مثل آلدار خليل وصالح مسلم، بخطاب “الأمة الديمقراطية” و”أخوة الشعوب” والإشادة بـ“ريبر آبو” في إشارة إلى عبد الله أوجلان بوصفه الإطار المرجعي للمشروع.
هذا ليس تبايناً لغوياً عابراً، بل اختلاف في الاتجاه الاستراتيجي يتجاوز المفردات إلى تعريف هوية المشروع نفسه.
مظلوم عبدي: براغماتية قومية أم واقعية سياسية؟
المؤشرات السياسية توحي بأن عبدي يدرك أن التفاوض مع دولة — أياً كانت طبيعتها المؤقتة — لا يتم بلغة نظريات ما بعد القومية، بل بلغة الحقوق الدستورية المحددة، مثل:
اعتراف دستوري صريح بالهوية الكردية
صلاحيات حكم ذاتي واضحة ضمن صيغة لامركزية
ضمانات أمنية وإدارية مستقرة
شراكة عادلة في الثروات والقرار الوطني
هذه مقاربة قومية–دستورية واضحة؛ ليست انفصالية، لكنها أيضاً ليست أممية نظرية. يمكن قراءتها باعتبارها انتقالاً من الخطاب الأيديولوجي إلى الواقعية السياسية.
لكن السؤال الحرج يبقى: هل يملك التفويض السياسي الكامل للقيام بهذا التحول؟ أم أنه يتحرك ضمن هامش تحدده مرجعية حزبية أوسع؟
قيادة الحزب: التمسك بالعقيدة أم الخشية من التحول؟
في المقابل، يصرّ جناح الحزب والإدارة الذاتية المقرّب من غريب حسو وآلدار خليل وصالح مسلم على إبقاء المشروع ضمن إطار “الأمة الديمقراطية” و”أخوة الشعوب”.
هذه الرؤية تقوم على:
نقد الدولة القومية بوصفها مصدراً للاستبداد
تجاوز الهوية القومية الصلبة نحو هوية مجتمعية أوسع
تقديم المشروع كصيغة عابرة للإثنيات
لكن عندما يصبح التفاوض على الطاولة متعلقاً صراحةً بـ“الحقوق القومية الكردية”، فإن التمسك بخطاب يتجاوز القومية يبدو إما تناقضاً فكرياً، أو محاولة للحفاظ على المرجعية الأيديولوجية داخل بنية تتجه عملياً نحو صيغة قومية دستورية.
بعبارة أكثر وضوحاً:
هل يجري الدفاع عن “الأمة الديمقراطية” كخيار استراتيجي قابل للحياة في ميزان القوى الحالي؟
أم كآلية للحفاظ على الهيمنة الحزبية داخل أي صيغة حكم قادمة؟
الجذر المؤسسي للإشكالية: تداخل الكيانات
يمكن تشخيص جزء كبير من هذا الخلط عبر غياب الفصل المؤسسي الواضح بين ثلاثة كيانات رئيسية:
حزب الاتحاد الديمقراطي ككيان سياسي أيديولوجي.
الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ككيان مدني يُفترض أنه جامع وتمثيلي.
قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية يُفترض أن تكون مهنية وغير حزبية.
فعلياً، يوجد تداخل في الكوادر والمرجعيات الفكرية وآليات اتخاذ القرار، بينما الخطاب الرسمي يقدّم هذه الجهات ككيانات مستقلة. هذا التباين بين “الواقع التنظيمي” و”الصياغة السياسية” يولّد تناقضاً في الشرعية والتمثيل.
المشكلة ليست في تعدد الكيانات بحد ذاته، بل في غياب الحدود القانونية والسياسية الفاصلة بينها. فعندما يتحدث قائد عسكري عن الخصوصية الكردية وتجربة حكم ذاتي لامركزي، بينما يتمسك رئيس الحزب وقيادات سياسية بخطاب عابر للقومية، يبرز السؤال الجوهري: من يعبّر فعلياً عن المشروع؟ وأي خطاب هو المرجعية النهائية في التفاوض؟
ازدواجية الرسالة وخطر فقدان الثقة
الرسالة الموجهة إلى دمشق تبدو مختلفة عن الرسالة الموجهة إلى القواعد الحزبية. والرسالة الموجهة إلى الشارع الكردي ليست مطابقة تماماً للخطاب الموجه إلى المكونات الأخرى.
قد تكون هذه الازدواجية مفهومة تكتيكياً، لكنها خطيرة سياسياً. لأن لحظة إعادة صياغة العلاقة مع الدولة لا تحتمل ازدواجية المفاهيم.
إما أن المشروع:
يتحول بوضوح إلى مشروع حقوق قومية كردية ضمن سوريا لامركزية،
أو
يتمسك بخيار ما بعد قومي، مع ما يعنيه ذلك من إعادة تعريف كاملة لمسار التفاوض.
الجمع بين الخيارين دون حسم قد يؤدي إلى فقدان الثقة من جميع الأطراف:
دمشق قد ترى غموضاً في الهدف النهائي.
الشارع الكردي قد يشعر بأن مطالبه تُخفف لصالح صيغة نظرية.
المكونات الأخرى قد تتوجس من خطابين متوازيين.
لحظة مراجعة: فشل الشعارات لا يعني فشل القضية
ونظراً لما سبق، فإن المراجعة السياسية والقانونية لم تعد ترفاً، بل ضرورة مؤلمة. فالمأساة الكردية في سوريا في المرحلة الأخيرة لم تكن نتيجة عوامل خارجية فقط، بل كانت أيضاً نتاج فشل داخلي في تحديد الأولويات وضبط العلاقة بين النظرية والواقع.
المشروع الذي ينادي به غريب حسو وآلدار خليل وصالح مسلم، والقائم على شعارات مثل “الأمة الديمقراطية” و”أخوّة الشعوب” و”الهوية الحرة”، رُفع باسم الحقوق، لكنه في التطبيق العملي أضعف الخطاب القومي الكردي وأربك مرجعيته السياسية والقانونية.
هذه الشعارات لم توفّر حماية دستورية صريحة للهوية الكردية، ولم تمنع الاستهداف السياسي أو الأمني، ولم تضمن شراكة مستقرة في القرار الوطني. وعندما تبدلت موازين القوى، لم تكن العموميات الإنسانية كافية لحماية حقوق غير مثبتة بنصوص واضحة وضمانات قانونية.
المشكلة ليست في مبدأ التعايش أو قبول الآخر — فالكرد لم يكونوا يوماً دعاة إقصاء أو شوفينية — بل في استبدال المشروع القومي الكردي، كشعب وأرض وحقوق قومية محددة، بمشروع أممي فضفاض يذيب الخصوصية في عموميات نظرية.
فشل هذه الصيغة لا يعني فشل القضية الكردية العادلة، بل يعني فشل إدارة سياسية محددة لتلك القضية.
مشروع مطلوب دعمه وترسيخه
في المقابل، يبرز مشروع مظلوم عبدي القائم على تثبيت الخصوصية الكردية ضمن صيغة لامركزية سورية واضحة، مع احتفاظ القوة الكردية بخصوصيتها ضمن مناطقها، كمقاربة أكثر واقعية وقابلية للتحقق في ميزان القوى القائم.
هذا المشروع لا يدعو إلى الانفصال، ولا ينفي التعايش، لكنه يضع الحقوق القومية في إطار دستوري واضح، غير قابل للذوبان أو التأجيل. وهو مشروع يحتاج إلى دعم سياسي صريح ، وتأييد مجتمعي، وترسيخ مؤسساتي، ليصبح عنواناً تفاوضياً موحداً لا يقبل الالتباس.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وضوحاً في تعريف الهدف، وفصلاً مؤسسياً حقيقياً بين الحزب والإدارة والقوة العسكرية، وتحديداً صريحاً لمن يملك الشرعية التمثيلية النهائية في التفاوض.
فالوضوح ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً لحماية المكتسبات. وفي لحظات تقرير المصير، الغموض لا يكون مساحة مناورة… بل نقطة ضعف قد تُكلّف شعباً كاملاً أثماناً جديدة.
وإلى مستقبل أفضل