الدستور.. بوابة الاعتراف بالشراكة الكوردية

شريف علي

سورية البلد الذي أنهكته الحرب والانقسام لا يمكن أن ينهض من جديد إلا عبر شراكة حقيقية بين جميع مكوّناته، وعلى رأسها الشعب الكوردي الذي يشكّل جزءًا أصيلًا من النسيج السوري، تاريخًا وثقافةً ودورًا. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الكورد ليسوا مجرد جماعة تبحث عن اعتراف، بل قوة اجتماعية وسياسية وحتى عسكرية ساهمت في حماية مناطق واسعة من البلاد وفي مواجهة الإرهاب حين كانت الدولة في أضعف حالاتها، وهو رصيد وطني ينبغي البناء عليه لا تجاهله، لأن تجاهله يعني إعادة إنتاج أسباب الأزمة ذاتها. وليس من الممكن الحديث عن شراكة وطنية حقيقية دون مواجهة صريحة للظلم التاريخي الذي تعرّض له الكورد. فقد عاشوا عقودًا طويلة تحت سياسات عنصرية ممنهجة هدفت إلى طمس هويتهم القومية وفرض هوية أحادية على مجتمع متعدد بطبيعته، وتعرّضوا خلالها لإجراءات قاسية حرمتهم من أبسط حقوق المواطنة. إن تجاهل هذه الحقائق ليس مجرد خطأ سياسي، بل استمرار لنهج الإقصاء ذاته، ما يعني أن أي دستور جديد لا يعترف بها ولا يعالج آثارها بوضوح وشجاعة سيعيد إنتاج الأزمة نفسها .

 إن سورية الجديدة التي يتطلع إليها السوريون لا يمكن أن تُبنى على مركزية خانقة أثبتت فشلها عبر عقود، بل يجب أن تُبنى على الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، وعلى شراكة سياسية حقيقية تُترجم في مؤسسات الدولة، ومن هنا تأتي أهمية تثبيت الشراكة الكوردية في الدستور السوري الجديد، ليس بوصفها مطلبًا فئويًا، بل باعتبارها شرطًا أساسيًا لبناء دولة مستقرة وعادلة. فالدستور هو العقد الذي يحدد شكل الدولة ويضمن الحقوق. إن الاعتراف الدستوري بالكورد كمكوّن قومي أصيل، وضمان حقوقهم القومية، وتكريس مشاركتهم في صنع القرار، ليست خطوات رمزية، بل أساس لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. إن تثبيت الشراكة الكوردية في الدستور لا يخدم الكورد وحدهم، بل يخدم وحدة سورية واستقرارها. فالدول التي اعترفت بتنوعها وشرّعت له دستوريًا استطاعت بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة الأزمات، بينما دفعت الدول التي تجاهلت تنوعها أثمانًا باهظة من الانقسام والصراع. وسورية اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسها على أسس جديدة، وإذا كان الماضي قد شهد تهميشًا وإقصاءً، فإن المستقبل يجب أن يقوم على المصالحة الوطنية، والاعتراف المتبادل، والشراكة الحقيقية، واحترام حقوق الإنسان، وبناء دولة قانون ومؤسسات. إن سورية الجديدة لن تُبنى بقرارات فوقية أو رؤى أحادية، بل عبر توافق وطني شامل يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. وفي هذا التوافق، يشكّل الكورد شريكًا لا غنى عنه، ليس فقط بحكم وجودهم التاريخي، بل لأن مستقبل سورية يحتاج إلى كل أبنائها دون استثناء. والدستور الذي يعترف بالجميع ويحمي حقوق الجميع هو وحده القادر على أن يكون أساسًا لسورية موحّدة وقوية، قادرة على النهوض من جديد، وقادرة على طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من الاستقرار والعدالة والازدهار.

—————— 11  ينـــاير 2026 —————-

صحيفة كوردستان العدد 770- فبراير2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا مع مرور 128 عاما على صدور أول صحيفة كردية، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح، أين تقف الصحافة الكردية اليوم من المعايير المهنية التي وُجدت الصحافة أصلا لتحقيقها؟ هذا السؤال لا ينبع من رغبة في النقد المجرد، بل من قراءة واقعية لمسار طويل من التجربة الإعلامية الكردية، التي كان يُفترض أن تكون إحدى الركائز الأساسية في بناء وعي…

عبدالجبار شاهين أنا لا اكتب من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير بل من موقع القلق الذي يتراكم في صدري كلما رأيت كيف تتحول القضايا الكبرى إلى مسارات مغلقة تبتلع أبناءها جيلا بعد جيل وكيف يصبح الصراع مع مرور الوقت حالة طبيعية لا تسائل وكأنها قدر لا يمكن الخروج منه. قبل سنوات في نهاية عام 2012 وقبل سيطرة…

د. محمود عباس من غرائب ذهنية الشعب الكوردي، ومن أكثر جدلياته إيلامًا، أن كثيرًا من أبنائه ما إن يرتقوا إلى مواقع عليا داخل الدول التي تحتل كوردستان، حتى يبدأ بعضهم بالتخفف من انتمائه القومي، أو بطمسه، أو بتحويله إلى مجرد خلفية شخصية لا أثر لها في الموقف ولا في القرار القومي الكوردي. والمفارقة هنا ليست في وجود كورد في مواقع…

م.محفوظ رشيد بات مرفوضاً تماماً الطلب من الكوردي الخروج من جلده القومي، والتنازل عن حقه الطبيعي وحلمه المشروع..، حتى يثبت لشركائه في الوطن أنه مواطن صالح ومخلص وغير انفصالي .. ولم يعد صحيحاً النظر للكورد وفق مقولة الشاعر معن بسيسو:”انتصر القائد صلاح الدين الأيوبي فهو بطل عربي ولو انهزم فهو عميل كوردي”. ولم يعد جائزاً اعتبار الكوردي من أهل البيت…