الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إلى اختبار النفوذ

د. محمود عباس

سيُثبت التاريخ أن عدم ترجيح الاستراتيجية المتماسكة التي عبّر عنها قطاع واسع من الكونغرس من الحزبين، والمدعومة من أصوات مؤثرة داخل وزارتي الخارجية والدفاع، على المقاربة التي اعتُمدت في الشرق الأوسط مع بداية الدورة الثانية للرئيس دونالد ترامب، لم يكن مجرد اختلاف في التقدير، بل انحرافًا عن رؤية أكثر توازنًا وعمقًا. فالاستراتيجية التي فضّلت الابتعاد عن الشراكة الكوردستانية، خلافًا لتوجهات أغلبية تشريعية واضحة، وتفضيل، بل ودعم منظمات إسلامية متطرفة إرهابية، لا تبدو قصيرة النظر فحسب، بل تنطوي على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى على المصالح الأمريكية وأمن إسرائيل، ليس في الإقليم وحده، بل في الداخل الأمريكي أيضًا، وربما في مستقبل التوازنات التي تحمي الوجود الإسرائيلي ذاته.

إن التخلي عن التحالف مع القوى الكوردستانية، وعن الشعب الكوردي الذي يُعد من أوثق وأصدق الحلفاء في محاربة الإرهاب، والرهان في المقابل على قوى ذات خلفيات إسلامية متشددة، من بينها حكومة أبو محمد الجولاني، وفصائل تدعمها أنقرة، لم يكن مجرد قرار تكتيكي قابل للمراجعة، بل تحوّلًا خطيرًا في ميزان القوى. فالتعامل مع تنظيمات ذات جذور متطرفة بوصفها أدوات مرحلية، والتخلي عن قوة محلية أثبتت التزامها بمحاربة الإرهاب، يشكل مجازفة استراتيجية قد ترتدّ على المصالح الأمريكية والأمن الإسرائيلي والأوروبي في المدى المتوسط والبعيد. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاستثمار في قوى غير مستقرة أيديولوجيًا يخلق بيئات هشّة قابلة لإعادة إنتاج التطرف، لا لبناء استقرار مستدام.

لقد أثبتت التجربة أن الشراكة مع القوى الكوردية لم تكن تعاونًا عسكريًا عابرًا ضد تنظيمات متطرفة، بل ركيزة استراتيجية يمكن البناء عليها لإعادة تشكيل توازن إقليمي مستقر، سياسيًا واقتصاديًا، على مدى طويل قد يمتد لعقود وربما لقرن كامل. إن تفويت فرصة الاستثمار في مشروع تحرير واستقرار كوردستاني متدرج يعني إضعاف احتمال نشوء حليف استراتيجي ثابت في قلب منطقة مضطربة، قادر على تشكيل حاجز جيوسياسي بين مشاريع إقليمية متنافسة ومتطرفة.

قد يرى بعض مهندسي هذه السياسة، وفي مقدمتهم المبعوث الأمريكي توماس باراك، أن ما جرى ويجري يمثل إعادة تموضع ذكية تخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، في وقت بدا فيه حضور وزارة الخارجية، بقيادة ماركو روبيو، أكثر حذرًا في مقاربة التحولات الشرق أوسطية. غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن تهميش القوة الكوردية في سوريا، ومجاراة توازنات إقليمية ظرفية، فتحا الباب أمام فراغات استراتيجية خطيرة. فالتوازنات التي تُبنى على مساومات قصيرة الأمد تتحول غالبًا إلى مستنقعات مكلفة يصعب الخروج منها لاحقًا، خصوصًا حين يُعاد تمكين قوى تحمل إرثًا أيديولوجيًا متطرفًا تحت عناوين سياسية جديدة.

إن الرهان على تطمينات دبلوماسية أو ترتيبات اقتصادية مع بعض العواصم الإقليمية لا يمكن أن يعوّض خسارة شريك أثبت التزامه في الميدان وفي السياسة. كما أن تجاهل البعد الكوردستاني الأشمل، وحصره في زاوية أمنية ضيقة، يحرم واشنطن من ورقة استراتيجية قادرة على إعادة رسم المشهد الإقليمي بطريقة أكثر توازنًا واستدامة. وفي المقابل، فإن الاستراتيجية التي يدفع بها الكونغرس، القائمة على استمرار دعم الحراك الكوردي، وبناء نظام لا مركزي وفيدرالية كوردية في سوريا، تبدو أكثر انسجامًا مع منطق الاستقرار طويل الأمد، ومع المصالح الأمريكية العميقة في مواجهة التطرف بنسختيه السنية والشيعية على حد سواء.

قد تكشف المرحلة المقبلة للسيد توماس باراك ولسائر مبعوثي الإدارة الأمريكية أن تقليص دعم قوات قسد والإدارة الذاتية والحراك الكوردي في سوريا لم يكن مجرد تراجع عن حليف، بل تفريطًا بفرصة تاريخية لإعادة بناء معادلة أمنية مستقرة في الشرق الأوسط. وحين تتضح النتائج، لن تُقرأ تلك القرارات كخطوات تكتيكية عابرة، بل كمحطات مفصلية أعادت توجيه مسار النفوذ الأمريكي في المنطقة. ومع أن الوقت لم ينفد بعد، فإن تصويب الاستراتيجية بات ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار للشراكات الاستراتيجية الحقيقية، قبل أن تتحول الأخطاء الراهنة إلى كلفة استراتيجية متراكمة يصعب احتواؤها لاحقًا.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/2/2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وكالات: 🇺🇸 اختبأ الطيار الأمريكي على حافة مرتفعة ضمن المنطقة الجبلية والحرجية التي هبط فيها. وقد تحرك سيراً على الأقدام مبتعداً عن النقطة التي هبط فيها بالمظلة، ثم قام بتفعيل منارة تحديد الموقع. وقد وفرت له التضاريس الجبلية والحرجية وغير المأهولة وقتاً ثميناً، وأتاحت له البقاء على قيد الحياة دون أن تتمكن القوات الإيرانية أو القرويون الموالون للنظام من الوصول…

عبدالجبار شاهين لم يكن الرابع من نيسان ١٩٨٠ مجرد تاريخ في روزنامة القمع بل لحظة فاصلة قرر فيها النظام البعثي ان يحسم علاقته بالكرد الفيليين عبر اقتلاعهم من المعادلة الوطنية دفعة واحدة مستخدما قرارات ادارية باردة لتنفيذ مشروع تطهير قومي مذهبي حار فقد فيه الانسان اسمه ووثيقته وبيته واثره في آن واحد في ذلك اليوم وما تلاه جرى ترحيل ما…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد توقفت عند ماركس وآرندت بوصفهما مدخلين أساسيين لفهم حدود الديمقراطية الشكلية ومعنى السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى محطتين مختلفتين في طبيعتهما، لكنهما لا تقلان أهمية في تكوين الخلفية النظرية لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: ماكس فيبر وفريدريك نيتشه. تكمن أهمية هذين الاسمين في أنهما لا يقدّمان…

د. محمود عباس في كل مرة يُعلن فيها دونالد ترامب أن الحرب على إيران “تقترب من نهايتها”، يظهر سؤال لا يُطرح علنًا لكنه يفرض نفسه بقوة، هل هذه النهاية تخدم جميع الأطراف، أم أن هناك من يرى فيها بداية خطر جديد؟ هنا تحديدًا يتقدم دور إسرائيل بوصفه العامل الأكثر حساسية في معادلة الحرب. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة صراع…