شـــــــريف علي
داخل الحركات السياسية وفي الزوايا التي لا يصلها الضوء، تتحرك كائنات صغيرة تصنع أثرًا أكبر بكثير من حجمها، وتعيد تشكيل المشهد السياسي من خلف ستار لا يراه أحد. هناك، في تلك المساحات التي تتقاطع فيها المصالح وتختفي فيها الشفافية، تنمو ظواهر لا علاقة لها بالعمل السياسي النبيل، لكنها قادرة على توجيه دفة الحركة كما تشاء .
فأية حركة سياسية، مهما كان شعارها أو حجم قاعدتها الشعبية، تظهر فيها فئة غريبة من الكائنات التنظيمية الصغيرة التي تفتقرإلى رأس المال السياسي الحقيقي، تتسلل بين الصفوف وتعيش على الهامش، لكنها تمتلك قدرة غير عادية على التأثير في مسار الحركة من الداخل. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عابرين، بل هم نتاج بيئة حزبية مضطربة، تتغذى على ضعف البنية التنظيمية، وغياب الشفافية، وتضخم المصالح الشخصية، وتراكم الولاءات الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى شبكات نفوذ خفية، هذه الفئة لا تظهر في النقاشات الفكرية، ولا تشارك في صياغة البرامج، ولا تملك رؤية سياسية أو مشروعًا حقيقيًا. لكنها تتقن فن البقاء، وتعرف جيدًا كيف تقترب من مراكز النفوذ، وكيف تتسلق عبر العلاقات الشخصية بدل الكفاءة. وجودهم لا يرتبط بقدرتهم على الإقناع أو العمل، بل بقدرتهم على التملق، وتمجيد الرموز المقدسة، ونقل الكلام، وصناعة التحالفات الهشة التي تُبقيهم في دائرة الضوء دون أن يقدّموا شيئًا يُذكر.
خطورة هؤلاء في أنهم لا يعملون لصالح الحركة، وبرنامجه النضالي، بل لصالح أنفسهم. فهم يزرعون الشك بين الأعضاء، ويغذّون الصراعات الداخلية، ويستثمرون في الانقسامات بدل تجاوزها. كلما اشتد الخلاف، ازداد حضورهم، لأن الفوضى هي البيئة المثالية التي تسمح لهم بالتمدد. وحين تحاول الحركة إصلاح نفسها، يكونون أول من يقاوم التغيير، لأن أي إصلاح حقيقي يهدد مواقعهم الهشة التي بنوها عبر سنوات من المناورة والالتفاف على القواعد .
لا يملكون مشروعًا سياسيًا، لكنهم يملكون قدرة هائلة على تعطيل مشاريع الآخرين، لا يطرحون أفكارًا، لكنهم بارعون في إسقاط الأفكار المطروحة. لا يساهمون في البناء، لكنهم يتقنون الهدم. ومع مرور الوقت، تتحول الحركة السياسية إلى ساحة صراع بين من يريد التقدم ومن يريد الحفاظ على شبكة مصالحه الصغيرة، وتصبح القرارات رهينة لمجموعة من الأصوات التي لا تمثل القاعدة الحقيقية للحركة، بل تمثل مصالح ضيقة لا علاقة لها بالسياسة أو المصلحة العامة، والمفارقة أن هذه الفئة لا تختفي بسهولة. فهي مثل بعض الكائنات الحقيقية، تتكيف مع الظروف، وتعرف كيف تختبئ، وتعود للظهور كلما سنحت الفرصة .
التخلص منها لا يكون بالصراخ أو الغضب، بل ببناء مؤسسات قوية، وقواعد واضحة، وآليات شفافة للمحاسبة. فحين تصبح الحركة قائمًا على الكفاءة لا الولاء، وعلى البرامج لا العلاقات، وعلى العمل لا الثرثرة، عندها لن يجد هؤلاء – صراصير السياسة – مكانًا يعيشون فيه .
إن تلك الكائنات ليست مشكلة أفراد، بل مشكلة بيئة تسمح لهم بالوجود. وكل حركة يريد أن يحافظ على نفسه ويستعيد دوره الحقيقي، عليه أن يواجه هذه الظاهرة بشجاعة، وأن يعيد الاعتبار للسياسة كعمل نبيلي تكون مصلحة الجماهير في أولويات برنامجه، لا كساحة للمناورات الصغيرة، فالحركة السياسية التي لا تطهر نفسها من الداخل، لن تستطيع أن تغير شيئًا في الخارج، وستظل أسيرةً لتلك الكائنات الصغيرة التي تتحرك في الزوايا التي يهرب منها الضوء .
13 يناير 2026