عبداللطيف محمدامين موسى
إن جدلية الصراع في سوريا تعبر عن أزمة حقيقة في التفكير عما إذا كان هذا الصراع نابعا عن خدمة المسار الاستراتيجي المتعلق بالثوابت الوطنية للشعب السوري في جوهرية البنية الشكلية المتعلقة بالأطر العامة للمبادئ الأساسية في أداء نظام السلطة السياسية المبنية على انتقال سياسي شامل يضمن بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية التي لابد أن يتشارك فيها الجميع السلطة وإدارة الموارد، أم تكمن جدلية الصراع هذه في خدمة الأجندات الإقليمية في تجسد حقيقي لصراع المصالح وتوسيع النفوذ على حساب السيادة والهوية الوطنية السورية.
هذه الجدلية في بنية الصراع في سوريا لابد أن تدفعنا إلى البحث المنهجي في فهم الماهية البنيوية لحقيقة الصراع من خلال جملة التطورات والمستجدات والأحداث المتسارعة التي رافقت سقوط نظام بشار الأسد الهارب وتشكيل سلطة إنقاذ تطورات لاحقا إلى سلطة مؤقتة انتقالية وما رافقتها من أحداث خطيرة كادت أن تعصف بالسوريين إلى الفوضى والصراع الداخلي الناتج عن الخلل والضعف في القدرة على الاستجابة المتسارعة للتحكم بمسار الأحداث ليجد السوريون أنفسهم أمام جملة من التساؤلات تراود مخيلتهم: هل هذه الأحداث والتطورات تخدم مستقبل بلادهم أم هي صراع على النفوذ، وهل انتقلت سوريا من الهيمنة الإيرانية إلى هيمنة إقليمية أخرى.
تظهر حجم التعقيدات المتعلقة بالصراع في سوريا بأنها نتاج العديد من المسارات التي عززت مفهوم الصراع وحقيقته في سوريا. المسار الأول تجسد في التنافس الإقليمي على الدور في قيادة التغير في سوريا أي مسألة إسقاط نظام الأسد المخلوع في مغايرة واضحة لنظريات السلطة السياسية في دمشق بأنها من قادت التغير. النسب الإقليمي للتغير ظهر جليا في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين العلنية بأنهم من قادوا التغير وأسقطوا الهيمنة الإيرانية في سوريا ولبنان وغزة، بل ذهبوا بشكل أبعد في تصريحاتهم بأن استمرارية السلطة القائمة في دمشق مرتبطة بمدى استمراريتها وفق السياقات الخاصة لاسيما الذهاب إلى توقيع اتفاقيات تطبيع شامل معها، وكذلك التصريحات التركية بأنها من قادت التغير في اللحظات الأخيرة من تعنت بشار الأسد في رفض الهيمنة الإيرانية بالتوافق مع دول إقليمية في قطر وبمباركة من إدارة ترامب، وكذلك التصريحات الأمريكية بأن تركيا هي التي استحوذت على الحصة الأكبر في الهيمنة على سوريا.
ظهر المسار الثاني في تجسيد البنية الحيوية للصراع في سوريا من خلال تضارب المصالح والسيطرة على توسيع النفوذ والتنافس على السلطة من خلال الصراع الإسرائيلي التركي الذي كاد أن يتحول إلى صراع وصدام عسكري مباشر عبر التصريحات الإسرائيلية المتكررة في حصر النفوذ التركي في منطقة محددة وعدم السماح بتجاوز تركيا للخطوط الحمر عبر الاستهدافات المتكررة في مناطق النفوذ التركي في مطار حماة وتدمر والإصرار المتكرر على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري ودعم الدروز.
برز المسار الثالث في تجسيد بنية الصراع في سوريا من خلال الضغط الإقليمي على السلطة السياسية في دمشق بحسم ملفات داخلية بالتصعيد العسكري دون إعطاء السلطة فرصة الحوار السلمي وتحقيق المصالحة الداخلية وغياب مشروع حوار وطني حقيقي وغياب التشاركية واستمرار التهميش وطغيان المصالح الإقليمية على المسارات الوطنية، الأمر الذي عبرت عنه السلطة السياسية في دمشق بإقرارها واعترافها بارتكابها أخطاء كارثية تمثلت في أحداث دامية في السويداء والساحل والتي كان من الممكن تلافيها من قبل السلطة لو تركت لها حرية تبديد الثوابت والمصالح الوطنية على النفوذ وتحقيق المصالح الإقليمية.
تمثل المسار الآخر في تجسيد الجوهر الحقيقي للصراع الإقليمي في سوريا عبر رعاية الكثير من الدول الإقليمية والعالمية لضبط إيقاع مسار الأحداث والصراع المسلح بين السلطة في دمشق وقسد لمنع تحوله إلى صراع شامل يهدد سوريا، الأمر الذي تمثل في هيمنة المبعوث الأمريكي بارك على القرار الاستراتيجي السوري والتدخل الفرنسي والتركي والقطري السعودي والدور الكبير للمرجع الكردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني في دعم الاستقرار في سوريا في اللحظات الحاسمة والأشد خطورة لقطع الطريق أمام محاولات بعض الجهات الإقليمية في دعم مصالحها عبر الدفع نحو انزلاق سوريا إلى صراع عرقي طائفي بين الكرد والعرب في سوريا.
تجلى المسار الآخر لبنية الصراع في سوريا على تدخلات إقليمية في دعم السلطة السياسية في دمشق لدى إدارة ترامب في رفع العقوبات عن سوريا دون الدفع في مساعدة سلطة دمشق في تحقيق استحقاقات داخلية في سوريا كتحقيق مشروع حوار وطني حقيقي وشامل يقود إلى مشاركة جميع المكونات السورية في وضع خارطة طريق لبناء سوريا المستقبلية أو إعادة هيكلية الدولة السورية الحديثة عبر تشكيل برلمان حقيقي من خلال انتخابات حقيقية ومؤتمر حوار وطني وعدم الإصرار على التهميش في نظام مركزي متمثل في صبغة ولون واحد. هذه الاستحقاقات لابد أن تكون نواة حقيقية في المساعدة على تحقيق انتقال سياسي شامل في سوريا على حساب الدفع إلى الحسم والتصعيد المتزايد دون المصالحة أو التوافق الداخلي.
إن المصلحة السورية تكمن في المسار الحقيقي لبنية الصراع في سوريا عبر تجسيد المصالح الوطنية وتحديد مسارات العمل المستقبلي في خدمة السوريين والوفاء لمبادئ الثورة السورية ودماء السوريين وتضحياتهم من خلال ملامسة السوريين توافر الإرادة الحقيقية للسلطة السياسية في دمشق لعدم الرضوخ إلى إملاءات صراع المصالح الإقليمية والدولية على حساب السيادة والهوية الوطنية، مما سيكون المكسب الحقيقي للسوريين في عملية بناء دولتهم المستقبلية.
في المحصلة ما يهم السوريين أن جوهر الصراع في سورية لا يمثل التبعية والتنافس على تنفيذ الأجندات والمصالح الدولية والإقليمية على حساب الشعب السوري والسيادة والثوابت والهوية الوطنية وتضحيات السوريين من أجل الحرية والديمقراطية والتعايش وآمالهم في بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية التي تضمن العدالة والمساواة والتعايش والتي لابد أن يتشارك فيها الجميع السلطة وإدارة الموارد دون الخضوع إلى الأجندات وصراع المصالح الدولية والإقليمية على تحقيق وتوسيع النفوذ.