قراءة تحليلية لتظاهرة المائة ألف إيراني وتغيير موازين القوى

نظام مير محمدي *

 

صدى صوت إيران في برلين؛ تجلي القوة المنظمة ونهاية عهد الديكتاتوريين

في خضم الأزمات الدولية المتلاطمة، تبرز أحياناً أحداثٌ مفصلية تغير مسار التاريخ. إن التظاهرة المهيبة التي ضمت مائة ألف من الإيرانيين الأحرار في برلين، لم تكن مجرد تجمع سياسي عابر؛ بل كانت صرخة مدوية وتمثيلاً حقيقياً وتاماً لشعب عزم على استعادة مصيره من مخالب الاستبداد الديني وبقايا الاستبداد الشاهنشاهي. هذا النهوض العظيم هو انعكاس للقوة المذهلة و«المنظمة» للمقاومة الإيرانية التي فرضت نفسها الآن، أكثر من أي وقت مضى، كبديل ديمقراطي وشعبي وحيد لا مناص منه.

تحطيم الطريق المسدود ومنطق الديكتاتوريين

يستند الديكتاتوريون، سواء ارتدوا عمامة «الملا» أو التاج، دوماً إلى منطق متآكل واحد: بث اليأس والترويج لمزاعم «عدم وجود بديل». وكما ورد في تحليل «منطق الديكتاتوريين»، يسعى كل من نظامي الشاه و«الملالي» لضمان بقائهما عبر القمع ونشر الرعب. لكن حضور مائة ألف إيراني في شوارع برلين حطم هذه المعادلة.

هذا الحشد الغفير لم يكن صوت من يصرخون للحرية تحت بساطير الحرس في الداخل فحسب، بل أثبت وجود قوة مقتدرة، منسجمة، وتمتلك برنامجاً لمرحلة الانتقال.

إن الشعار الذي دوي في سماء برلين برفض الديكتاتوريتين (الشاه والملا)، رسم حدوداً قاطعة للشعب الإيراني مع أي عودة إلى الوراء. لقد أبرق هذا الشعار رسالة واضحة للعالم: الشعب الإيراني يريد عبور الاستبداد بكليته ولن يسمح بتكرار دورة الديكتاتورية المشؤومة مرة أخرى.

شارل ميشيل والبديل المنظم

تكتسب هذه التظاهرة أهمية مضاعفة حين يفصح سياسيون عالميون بارزون عن الحقائق بأبلغ العبارات. فقد وضع شارل ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي (2019-2024) ورئيس وزراء بلجيكا الأسبق، في كلمته خلال المراسم، إصبعه على نقطة جوهرية لها ثقلها في الأوساط السياسية. حيث أعلن صراحة أن عهد الديكتاتورية قد ولى، وأن محاولة إحياء الملكية المقبورة هي ضربٌ في حديد بارد.

وبإشارته إلى «القوة المنظمة» للمقاومة الإيرانية، أكد شارل ميشيل أن تغيير معادلات القوة في إيران لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قوة منظمة تمتلك برنامجاً واضحاً. كما نفى أي وهم لعودة الاستبداد الملكي ورفض «ابن الشاه» كرمز لديكتاتورية الماضي، مصرحاً بأن العالم يواجه الآن بديلاً (آلترناتيف) ذا مصداقية.

وقد دافع بلغة واضحة عن «خطة النقاط العشر» للسيدة مريم رجوي، معتبراً إياها خارطة طريق ومؤشراً دقيقاً لمستقبل إيران الحرة والديمقراطية. هذا الدعم الصريح يظهر أن المجتمع الدولي أدرك أن المخططات الارتجاعية والاستعمارية لمصادرة انتفاضة الشعب الإيراني قد باهتت، وأن الاستراتيجية المنتصرة الوحيدة هي التي تستند إلى قوة الشعب والتنظيم المحكم.

«الشباب الثوار»؛ المحرك الدافع للتغيير

ما تجلى في برلين هو امتداد لتلك الإرادة التي يدفع بها «الشباب الثوار» في داخل إيران إلى الأمام. إن التلاحم بين الإيرانيين في الخارج و«الشباب الثوار» في الداخل، شكل شبكة مترابطة من المقاومة تعجز أي قوة قمعية عن مواجهتها. هذا التضامن الوطني هو رد مفحم على من يظنون أن بإمكانهم حرف مسار الثورة الإيرانية الجديدة عبر الصفقات السياسية أو إحياء البيادق المحترقة.

الخاتمة: أفق الحرية المشرق

شكلت تظاهرة المائة ألف في برلين منعطفاً في تاريخ نضال الشعب الإيراني. وقد أثبت هذا التجمع الحقائق التالية:

  1. أن الشعب الإيراني يضع حدوداً حمراء لا مساومة فيها مع أي ديكتاتورية (سواء كانت دينية تحت عباءة الملالي أو وراثية).
  2. أن المقاومة الإيرانية، بالاعتماد على تشكيلات منسجمة وقيادة ذات كفاءة، هي القوة الوحيدة القادرة على التغيير الحقيقي وإرساء الديمقراطية.
  3. أن خطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي، بصفتها ميثاقاً لحرية إيران، تحظى بإقبال وتأييد أرفع المسؤولين السياسيين في العالم.

لقد حان الوقت ليسمع الغرب الصوت الحقيقي للشعب الإيراني ويقف بجانب أولئك الذين يناضلون من أجل الحرية، المساواة، والجمهورية الشعبية. إن عهد الشاه والملا قد ولى، وشمس سيادة الشعب في طور البزوغ.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس لا يمكن التعامل مع المقال المنشور في The Jerusalem Post بتاريخ 9/2/2026 بعنوان «سقوط روجافا لم يكن مؤامرة، بل فشلًا في الاستراتيجية»، بقلم الباحثة في العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، بوصفه مجرد قراءة أكاديمية بحتة لما جرى في غربي كوردستان. فالمقال لا يقدّم تحليلًا معزولًا عن السياق السياسي الأوسع، بل يعتمد إطارًا تفسيريًا ينتقي عناصر…

هجار أمين كانت الكاميرا في يده ترتجف، ليس من برد دمشق، بل من هول ما يراه، لم يدرس الإعلام، بل كان طالب طب في السنة الثالثة، لكنه في ذلك اليوم، لم يكن طبيباً، ولا حتى مواطناً عادياً، كانت النافذة الوحيدة التي يرى منها العالم ما يحدث في ديرالزور. هكذا يمكن اختصار آلاف القصص السورية التي تحول فيها الهاتف المحمول إلى…

عزالدين ملا التحريض والتجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في تفتيت الوحدة الوطنية والثقة بين مكونات المجتمع السوري، حيث أن تبعاته لا يمكن قياسها بدقة، فهي قد تجر المنطقة إلى ما هو أخطر من مجازر الأشرفية وشيخ مقصود. إن هؤلاء الذين يروّجون للكراهية والتحريض، غالباً ما يكونون أشخاصاً لا يملكون مصلحة حقيقية في حل الأزمة، بل…

سليمان سليمان منذ انطلاق ما عرف بالثورة السورية، التي تحولت فيما بعد إلى ثورة اللصوص،يمكن القول إن مجمل القوى والأحزاب السياسية الكوردية في روج آفا كوردستان تتحمل، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاع الشعب الكوردي في السنوات الأخيرة، كل بحسب موقعه السياسي، وطبيعة تحالفاته، وعلاقاته الإقليمية والدولية. ولا يهدف هذا الطرح إلى تبرئة أي طرف أو تحميل…