بين قصر الضحّاك وجزيرة إبستين أسطورة تتجدّد بملابس العصر

سلمان حسين -هولندا

 

لطالما اعتقدنا أن الأساطير هي مجرد حكايات نرويها للأطفال قبل النوم لتخويفهم من وحوشٍ خيالية، لكن التاريخ، في دوراته المتكررة، يثبت لنا أن الأسطورة ليست سوى مرآةٍ للواقع وأن الوحوش لا تموت، بل تُبدّل جلودها فقط. من قصور الطغاة القدامى التي كانت تُبنى بدموع المظلومين، وصولاً إلى جزرالنفوذ الحديثة التي تُسيجها السرية والمال، يبقى الشر منظومةً متكاملة لا تسقط إلا حين يقرر ( كاوى ) المعاصر أن يكسر حاجز الصمت.

الشرّليس حكايةً قديمة، بل عادةٌ تغيّرأقنعتها وفي الأسطورة وقف قصرالضحّاك شاهدًا على نظامٍ يقتات من أجساد الأبرياء حيث تُقدَّم القرابين يوميًا لإطعام حيّتين لا تشبعان . لم يكن الطغيان فعل ملكٍ مجنون فحسب، بل منظومةً كاملة من وزاراء، حُرّاس، مستشاريين، وسكوتٌ عامّ يُسوّغ الجريمة باسم الاستقرار والطاعة للملك.

وفي زمننا قامت جزيرة إبستين مقام القصر.جزيرةٌ معزولة بالماء بدل الأسوار، وبالنفوذ وأجهزة المراقبة بدل الجنود. هناك لا حيّات مرئية، لكن الجوع واحد جوع السيطرة والإفلات من الحساب. شبكةٌ معقدة من المتنفذين والأثرياء حول العالم تُدار بأناقة، بطائرات خاصّة، وبأبوابٍ تُغلق على ضحايا بلا صوت.

كما لم يكن الضحّاك فردًا معزولًا، لم يكن جيفري إبستين سوى واجهة اسمه تصدّرالعناوين، لكن القضية كشفت عبروثائق وشهادات إعلامية وقضائية اتساع الدائرة حيث وردت أسماء شخصيات نافذة بوصفها محلّ اتهام أو جدل إعلامي.

 أسماء سياسية كُبرى ذُكرت في سجلات سفرأو سياقات اجتماعية ونفت التورّط وبالرغم من أن ذكرهذه الأسماء ليس إدانة، بل إشارة إلى منظومة حماية تُسقِط فردًا وتُبقي البنية وجوع السيطرة والإفلات من الحساب.

وما يشد اللأنتباه بين القصروالجزيرة هو الصمت.الصمت الذي يُحوّل الجريمة إلى إجراء، والضحية إلى رقم. في الأسطورة الكردية للملك ضحاك ، كان الخلاص حين انكسرهذا الصمت على يد كاوى الحداد الرجل العادي الذي حوّل مطرقته رايةً، وأعلن بالنار نهاية زمن الخوف. لم ينتظر إذنًا، لأن الأخلاق لا تحتاج توقيعًا.

أما في واقع الجزيرة، فقد سقط الرجل وبقي السؤال. انطفأت النيران قبل أن تبلغ القصورالأخرى، وتحوّل الكشف إلى معرفةٍ مبتورة، والعدالة إلى وعدٍ مؤجّل. أسطورة نوروز منحتنا نهاية عصر ما زال يفاوض عليها البشر.
وللمقاربة حق بأن نوروز ليس عيد فصلٍ فحسب، بل اختبار ضميروالنار التي أشعلها ( كاوى)  لم تكن انتقامًا، بل إعلانًا أن الظلام، مهما طال، لا يحتكرالتاريخ  في كل ربيع، تعود النار لتسألنا هل نكتفي بسرد الحكاية، أم نُكملها؟ هل نغيّر أسماء القصور، أم نكسر منطقها؟ حين تُشعل النار في الذاكرة، لا تحرق، بل تُنير.
ونوروزفي جوهره وعدٌ بأن كاوى ليس شخصًا واحدًا، بل إمكانيةٌ جماعية. فإذا اشتعلت، سقطت الحيّات؛ وإذا خمدت، عاد القصر بأسماءٍ جديدة.

 

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…