الحركة الكردية في سوريا بين إرث النضال السلمي وتحديات المرحلة الجديدة

سرحان عيسى

 

منذ نشوء الحركة السياسية الكردية في سوريا، ارتبط مسارها بالنضال السلمي والسياسي من أجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي. فقد تبنّت الأحزاب الكردية، على اختلاف توجهاتها، برامج سياسية متقاربة في جوهرها، ركزت على المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية للشعب الكردي في سوريا، بوصفها حقوقاً قومية مشروعة ضمن إطار الدولة السورية. ولم يكن هذا التوجه وليد ظرف طارئ، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي من الوعي السياسي والتنظيمي، وإدراك عميق لطبيعة الدولة السورية وتركيبتها المجتمعية، وما يتطلبه ذلك من نضال طويل النفس قائم على العمل السياسي السلمي.

وعند مراجعة سريعة لأدبيات هذه الأحزاب، يتضح أن الخطاب الكردي لم يكن يوماً خطاباً انفصالياً، بل كان دعوة صريحة إلى الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي، واحترام الهوية الثقافية واللغوية، وضمان الشراكة الحقيقية في الوطن، والمشاركة الفاعلة في مؤسسات الدولة. كما ركّزت الحركة الكردية على بناء دولة ديمقراطية تعددية، يكون فيها القانون هو المرجعية، وتُصان فيها حقوق الإنسان، وتتحقق العدالة والمساواة بين جميع المكونات.

لكن في المقابل، واجه الشعب الكردي على مدى عقود سياسات عنصرية ممنهجة ضيّقت الخناق ليس فقط على الحركة السياسية الكردية، بل على المجتمع الكردي بأكمله. فقد بدأت هذه السياسات بمشروع الحزام العربي، مروراً بتجريد مئات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية، ومنع اللغة الكردية والتضييق على استخدامها، وصولاً إلى الإهمال الاقتصادي المتعمد للمناطق الكردية وحرمانها من التنمية والخدمات. ولم تكن هذه الإجراءات مجرد سياسات عابرة، بل شكّلت منظومة متكاملة هدفت إلى إضعاف الوجود الكردي سياسياً وثقافياً واجتماعياً. وقد تركت هذه السياسات آثاراً عميقة ما زالت انعكاساتها واضحة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للشعب الكردي حتى اليوم.

ومع اندلاع الثورة السورية، كان الشعب الكردي جزءاً من الحراك الوطني العام، وشارك في الثورة منذ بدايتها، متمسكاً بخيار النضال السلمي والسياسي، رغم تعقيدات المشهد وتشابك القوى الفاعلة. واستمر خطاب الحركة السياسية الكردية، وخاصة المجلس الوطني الكردي، خطاباً عقلانياً سلمياً يدعو إلى التغيير الديمقراطي وبناء دولة تعددية تحترم حقوق جميع مكوناتها، وترفض الإقصاء والتهميش، وتؤمن بالحوار كوسيلة لحل الأزمات الوطنية.

وفي سياق قراءة المشهد الكردي الداخلي، تبرز حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها. فقد كان هناك طرف كردي متمثلاً بحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية، كما صرّح قادته في بداية الثورة، اختار ما سُمّي بـ”الطريق الثالث”، أي عدم الانحياز لا إلى النظام ولا إلى المعارضة، معتبراً أنه يحمل مشروعاً مختلفاً. ورغم أنني، كمواطن كردي سوري، كنت وما زلت معارضاً لهذا التوجه، إلا أن الظروف قد تغيّرت، ودخلت سوريا في المرحلة المنصرمة طوراً جديداً يتطلب من الجميع التعاطي معه بمرونة وواقعية سياسية. ومن هذا المنطلق، فإن هذا الطرف أيضاً، وخاصة بعد الاتفاق الأخير مع حكومة دمشق، مطالب بإعادة النظر في مساره، وإجراء مراجعة شاملة لحساباته، والعودة إلى الحاضنة الكردية والإجماع الكردي، والكف عن التغريد خارج السرب، بما يعزز وحدة الموقف الكردي في هذه المرحلة الحساسة.

ومع التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة، ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة معقدة، بات المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة. هذه المرحلة، رغم ما رافقها من أخطاء وتجاوزات طالت بعض المكونات، أظهرت أيضاً مؤشرات على محاولات تصحيح المسار، من خلال خطوات سياسية وتشريعية واتفاقات ميدانية، فتحت الباب أمام إمكانية إعادة صياغة العقد الوطني السوري على أسس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.

وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه:

هل الحركة الكردية مستعدة داخلياً للتأقلم مع هذه المتغيرات؟

إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة داخل البيت الكردي، وتستدعي تعزيز وحدة الصف، وتطوير الخطاب السياسي بما يتناسب مع التغيرات الجديدة، دون التفريط بالحقوق القومية المشروعة. كما تفرض هذه المرحلة ضرورة الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل السياسي المبادر، ومن الخطاب التقليدي إلى رؤية استراتيجية واضحة تستشرف المستقبل، وتوازن بين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية والقومية.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الانقسام الداخلي يُضعف أي حركة سياسية مهما كانت عدالة قضيتها، بينما تشكّل الوحدة والتفاهم قاعدة القوة والقدرة على التأثير. ومن هنا، فإن مسؤولية القيادات الكردية اليوم لا تقتصر على الحفاظ على المكتسبات، بل تمتد إلى بناء مشروع سياسي وطني ديمقراطي يعبّر عن تطلعات الشعب الكردي، ويؤسس لشراكة حقيقية مع بقية المكونات السورية في إطار دولة حديثة عادلة.

في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، لم تعد القضية الكردية محصورة ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تشمل سوريا والعراق وعموم المنطقة. فهناك سيناريوهات جديدة تتشكل، وتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، تفرض واقعاً مختلفاً عمّا كان قائماً في العقود الماضية. وفي هذا السياق، تبدو الحركة الكردية في الأجزاء الأربعة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بقراءة دقيقة لهذه التحولات، والتأقلم معها بوعي سياسي عميق ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، بما يحفظ الحقوق القومية المشروعة، ويمنع تكرار أخطاء الماضي، ويعزز حضورها كقوة ديمقراطية فاعلة في رسم مستقبل المنطقة.

وكما نلاحظ، فإن ما يمكن تسميته بـ”المطبخ السياسي الكردي” بات يتمركز في أربيل، في حين كنا وما زلنا نطالب، كشعب كردي في سوريا، بضرورة استقلالية القرار الكردي السوري وانطلاقه من الداخل السوري نفسه. ومن هذا المنطلق، أرى أن من الضروري أن ينتقل مركز القرار السياسي الكردي إلى القامشلي، باعتبارها قلب الحضور السياسي والاجتماعي الكردي في سوريا، وليس إلى أي منطقة أخرى. وهذا التوجه لا يعني القطيعة مع الأحزاب الكردستانية أو الابتعاد عن العمق القومي، بل يهدف إلى تحقيق توازن صحي بين استقلالية القرار الكردي السوري واستمرار التنسيق والتكامل مع الحركة الكردية في بقية الأجزاء، بما يخدم المصالح العليا للشعب الكردي وقضيته العادلة.

وطبعاً، لا يعني ما سبق أن المجلس الوطني الكردي أو الأحزاب الأخرى خارج الإطارين الكرديين كانت معصومة عن الخطأ، لكننا لسنا بصدد التوقف عند تلك الأخطاء في هذه المرحلة الحساسة. وهناك حقيقة أخرى يجب الاعتراف بها، وهي أن هذا الكمّ الهائل من الاحزاب السياسية قد أثقل كاهل الشعب الكردي وأرهقه، ولم يعد هناك أي مبرر لاستمرار العديد منها. إن المرحلة تتطلب تبسيط المشهد، وتقليل مساحات الخلاف، والانتقال من تعدد الحسابات الضيقة إلى وضوح الرؤية ووحدة الهدف، بما يعيد الثقة بين الحركة السياسية والجمهور، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر تماسكاً وفاعلية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ريزان شيخموس ليست كل اللحظات في تاريخ الشعوب عابرة، فبعضها يتحول إلى منعطفات كبرى تعيد تشكيل الوعي الجمعي وترسم ملامح المستقبل. وما شهده شعبنا في روجافاي كردستان بعد الهجوم العسكري الذي تعرّض له من قبل سلطة دمشق لم يكن مجرد موجة تضامن، بل كان لحظة تاريخية نادرة أعلن فيها الكرد، في كل مكان، أن وحدة المصير أقوى من الجغرافيا، وأن…

إبراهيم اليوسف تذكر الروايات العربية اسم سنمار بوصفه بنّاءً شيّد قصراً- اسمه الخورنق- للملك النعمان بن المنذر، ولسنا هنا بصدد الحديث عن جماليات القصر، بل في إطار ما روي عن سرّ بنائه. إذ سارر هذا المعماري العملاق الملك عن وجود حجر واحد فيما إن تمت إزاحته- جانباً- حتى تسقط العمارة، دفعة واحدة. لم يكن هذا العبقري يتحدث عن لغز ولا…

زاهد العلواني – القامشلي عجيب أمور غريب قضية، في مشهد لا يخلو من الغرابة، خلال اسبوع ومتابعتي لمقالات الكتاب الكرد والسياسيين ، حقيقة أصبت بدوامة ، لم استوعب التقلبات والتغيير المفاجئ في مقالاتهم، بل من السياسية التي لادين لها، يخرج علينا بعض الكتّاب والسياسيين الكرد، يكتبون مقالاتهم بالعربية والكتاب الكُرد الأتراك بالتركية ، انتقادات حادة حداً ضد سياسات إدارة “قسد”…

شادي حاجي اليوم، ونحن أمام استحقاق تفاوضي مصيري مع السلطة المؤقتة في دمشق، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ معقّد: وفدٌ عن الإدارة الذاتية وقوات «قسد» عقد مع السلطة المؤقتة في دمشق أكثر من اتفاقٍ أمني وإداري، في حين لم تُمنَح الفرصة للوفد الكردي السياسي المشترك للقيام بدوره. وإلى جانب ذلك، شارك وفدٌ من المجلس الوطني الكردي، الذي لبّى دعوة وزير…